“أعجوبة” تشعل لبنان أرضًا وسماءً

0
108

 

 

إحتفالات عيد “إنتقال السيدة العذراء” أو ما يعرف بـ “عيد السيدة” في 15 آب، تشكل عيدًا ورمزًا وطنيًا يجمع المسلمين والمسيحيين… كما أنّ “انتقالها بالنفس والجسد ” الى السماء يمثّل الاعجوبة الأهم، فالله ميّزها عن باقي القديسين وسكان الأرض.

   وبالتوازي مع القداديس والتطوافات الخاصة بالعيد، تشجع بعض الرعايا إقامة المهرجانات فيها مجانًا، لتزرع بالتالي الفرح في قلوب الناس وتعزّز من خلالها التلاقي والمحبة ضمن الكنيسة الواحدة.

التلاقي من خلال العيد…”بركة ومحبة”

   إحتفالات “عيد السيدة” ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الكنيسة، فهي متوارثة من أجدادنا، تقام في ساحة الضيعة بالإجمال أو في ساحة الكنيسة، فتزيد فرص التلاقي بين أهالي البلدة وحتى بين الوافدين من خارجها. وبهذا تكون العذراء هي “الإم بتلم” التي تجمع ولا تفرّق، يكفي أنها “أعجوبة” بحد ذاتها، فانها تجمع المسلمين والمسيحيين تحت رايتها إبتداءً من عيد البشارة مرورًا بعيد إنتقالها إلى السماء؛ بإختصار مريم هي “إم الدّني”.

 

بهجة العيد في “جوهره الروحي”

     لا يمكن تجاهل هذا العيد الذي يحمل معانٍ كثيرة ويقوي التفاؤل في وطن زادت نسبة التشاؤم والاستسلام في نفوس شعبه. ورغم المصاعب السياسية والإقتصادية في لبنان، إلا إنه يبقى من أهم الأعياد المحلية، كونه يتمتّع بمعانٍ روحية ويخلق البهجة في قلوب الناس. والأهم من ذلك أن روحانية العيد تتجلى في إنتقال مريم العذراء إلى السماء بالنفس والجسد، وهي نعمة لا تعطى إلا لمن يقول “نعم” لله.

    وفي هذا الاطار، يروي مؤسس جمعيّة “سعادة السماء” الأب مجدي علاوي للـ “الدّيار” تاريخ بدء الإحتفال بهذا العيد المبارك يوم 15 آب في الشرق منذ القرن الخامس الـميلادي. ولقد أعلـن البابا بيوس الثانــي عـشـر فى 1/11/1950 في رسالته البابوية:” إن والـدة الإلـه المنزهـة عـن كـل عيـب، مـريـم الدائـمـة البـتـوليـة، بعـد أن أنهـت مـجـرى حـيـاتـهـا الأرضــيـة، رُفـعـت بجسـدهـا ونفـسـها إلـى المجـد السمـاوي” . وهـذا الإنتقال كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني هو “علامة رجاء وطيد”، رجاء فى أنّ قيامة الأموات بفضل يسوع المسيح ستتمّ وتحدث، وإنتقال مريم العذراء الى السماء بجسدها وروحها علامة لقيامة البشر.

   كما شددّ الأب علاوي في حديثه، الى إعادة النظر بنمط حياتنا والعودة إلى الميراث الروحيّ الّذي نؤمن به، إيمان الرسل والشهداء، فنتعلّم من مريم فضيلة ونعمة التواضع، وغيرتها على محيطها ومصلحته، فنعرف ونخدم ونحبّ ونتواضع.

 

ولكن أين نحن اليوم من هذا المعنى للعيد ؟

    لقد أضعنا الجوهر الأساسي للعيد وبُتنا نهتم فقط بالمهرجانات والحفلات المنتشرة على كافة الأراضي اللبنانية ، نسينا أن المكان الحقيقي للإحتفال بعظمة هذا العيد هو في الكنيسة ، هو بكوننا مستعدين ان نصلي إلى مريم ونطلب شفاعتها ونثق ونؤمن بأنها هي الأمّ الحنون والقديرة.

ولكن، للأسف أصبحنا ننجرّ وراء الشهوات والملذات الأرضية ، تخلينا عن الأساس ورحنا نغوص نحو الأمور المادية المرتبطة بهذا العيد كالفنانين والرقص والحلويات وجمع المال …

وتمنّى أن نعيد النظر بجوهر حياتنا الأساسي .. إنّ كلّ منّا مدعو ليكون على مثال مريم، علامة لتدخّل الله وحضوره في وسط شعبه فأوّل أمرٍ يجب فعله: هل نقول على مثالها “نعم”؟ وهل ندرك أنّ مريم هي إنسانة من أرضنا، من شرقنا؟ هل نقصد أن نمسكها بيدها لتقودنا إلى ابنها؟

لنتمثل بمريم ، مريم العارفة بمعنى وجودها وهدفه ، مريم المصلية، مريم أمة الله المستسلمة، مريم الأم المهتمة والمتأملة، مريم المبشرة، مريم الخادمة، مريم المتواضعة

في يوم عيد انتقال العذراء، نتطلّع إلى سيّدة لبنان وأمّنا الّتي سلّمنا إياها بشخص يوحنا الحيبب على الصليب: “هذه أمّك”، نوكل إليها السلام في العالم وخاصّة في شرقنا النازف، في أرضها، في أرض القداسة، في نقص السّلام في مجتمعاتنا وفي عائلاتنا وبيوتنا، السلام الداخلي لكلّ شخص حتى لأعدائنا، فهي الشفيعة لنا عند ابنها.

وختم الأب علاوي قائلاً: “فلنتذكر إخوتي اننا نعيش على هذه الارض لمجد المسيح، لكنيسة المسيح، لشعب الكنيسة، ليس لأنفسنا وانما للآخرين. من أحب نفسه يقدمها للآخرين.وان كنت تريد ان تبني إجعل المسيح هو الأساس، فبدونه كل شيء باطل”.

 

“انتقال العذراء” في الطوائف المسيحيّة

يعتبر عيد “انتقال العذراء مريم بالنفس والجسد” من أهم العقائد بين الطوائف المسيحيّة بأشكال مختلفة… فالكنائس الأرثوذكسية الشرقيّة والمشرقية يرون أن الانتقال قد تمّ بعد وفاة السيدة مريم العذراء، فعندما توفيت حسب التقليد الشرقي في بستان الزيتون، انتقلت نفسها وجسدها الى السماء.

أمّا الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة تعتقد أن الانتقال قد تمّ بعد عدّة أشهر من وفاتها وليس بعد فترة وجيزة.

وبالنسبة للكنيسة الكاثوليكيّة، تعتقد أن الانسان يموت بسبب الخطيئة المتوارثة منذ آدم، فان العذراء لم ترث هذه الخطيئة الأصلية بالتالي لا داعي لموتها.

ان الكنيسة الانجيليّة ذات موقف مختلف، فهي ترى أن الانسان بعد موته لا يتجّه مباشرة الى الجنّة بل يمكث حتى يوم القيامة والعذراء انتقلت بروحها فقط.

عطلة العيد فرصة للصلاة

  وككل عام تعتبر هذه المناسبة عطلة رسمية في عدد كبير من دول العالم كلبنان وفرنسا واسبانيا… كما أصدرت الحكومة مذكرة رسمية تغلق من خلالها جميع المؤسسات والإدارات العامة والخاصة بمناسبة العيد، وهذا دليل على مدى وطنية هذه المناسبة.

على أمل أن تُستغل هذه العطلة من أجل الصلاة والتضرّع للعذراء مريم لتكون منارة لخلاص لبنان وشعبه!

الديار :جزيل عرموني