«أشبال الخلافة» في أوروبا: هذه أرضنا «يا كفّار»!

0
49

 

 

سهولة الهجرة إلى أوروبا مهّدت طريق الوصول أمام المئات، إن لم يكن الآلاف، ممّن كانوا يحملون السلاح ويقطعون الرؤوس ويمثلون بالجثث في مناطق الحرب السورية

 

فراس الهكار

بروكسل | لم يعد الوصول إلى أوروبا وقفاً على أحد، ومع نمو تجارة البشر وازدهارها أصبح الحلم المستحيل فيما مضى حقيقة متاحة لا تزيد كلفتها على ألفي دولار حالياً.

منذ بدء الإعداد للرحلة في مدينة ازمير التركية حتى بلوغ دول أوروبا لن تجد صعوبة في تمييز «الاسلاميين» لكثرتهم. إصغاء عابر لأحاديثهم يتيح لك معرفة أفكارهم، فهم يتحدثون بإسهاب عن أحلامهم في إعادة مجد الإسلام إلى دول الكفار، كما يحلو لهم تسميتها.

حلقوا لحاهم دون أن ينزعوا هذه الأفكار من رؤوسهم. يخشاهم أغلب اللاجئين، لذلك يحاولون قدر الإمكان تحاشيهم أو عدم الاحتكاك بهم، لأنهم يحملون في جيناتهم فكراً إلغائياً عدائياً لا يقبل الآخر.

يتحدث لاجئ سوري من مدينة دمشق مع رفاقه الآتين من اللاذقية: «رزق الله أيام كانت أوروبا كلها مساجد، وقت فتحها أبطال الإسلام، اشتقنا نسمع أصوات تكبيرات المساجد في هذه البلاد، وقريباً سننشر الإسلام في بلاد الكفر»، يرد المستمعون: إن شاء الله!

تظهر بوادر التطرف بعد مضي أسابيع عدة، فمهما حاولوا التخفي تفضحهم أحاديثهم عما ارتكبوه من «بطولات» بحسب زعمهم. لم يتوقف حسن الآتي من ريف الحسكة عن سرد بطولاته في الهجوم على أحياء المدينة وتحريرها من جنود النظام. يؤكد أنه كان أحد المخططين لمداهمة فرع حزب البعث في المدينة وقتل من فيه.

يروي لرفاقه في رحلة اللجوء: «كنّا نكمن للعسكريين ونصطادهم كالعصافير، نقطف رؤوسهم ونرمي جثثهم في المزابل، هذا أقل انتقام لأهلنا في حمص ودرعا، هذا النظام النصيري لا يعرف الرحمة وأتباعه كفار لا دين لهم لذلك قتلهم مُباح وفيه تقرّب إلى الله».

اختار حسن الهجرة إلى أوروبا بعد اشتداد المعارك في مدينة الحسكة وتحرير الأحياء المدنية من مقاتلي تنظيم «داعش». عبر الحدود التركية استطاع الوصول إلى اليونان، ثم تابع رحلته ليستقر في ألمانيا.

يتحدثون دون أي خوف، لا أحد يفهم حديثهم من المتطوعين الأجانب، قصص كانت حين تُثار في وسائل الإعلام السورية تصبح مدعاة للسخرية، أما حين تسمعها على ألسنة من ارتكبوها فلا بد أن تراجع حقيقة ما جرى.

يروي أبو محمود الآتي من حي الصليبة في مدينة اللاذقية لرفاقه، كيف كانوا «يرمون جنود الجيش النصيري من فوق خزان مياه منطقة الطابيات، ويصنعون عبوات المتفجرات ويستهدفون بها سيارات الشرطة المارة في شوارع الحي وذلك بتفجيرها عن بُعد».

يتحدث أحمد وهو من ريف حلب عبر الهاتف مع أحد أقاربه مستفسراً عن الوضع الميداني للمعارك التي يخوضها الجيش أخيراً باتجاه مطار كويرس: «مين استشهد بالمعركة الأخيرة؟ أحاول الاتصال بإخوتي من دون فائدة، يبدو العر… متجهين إلى بلدة الحاضر ثم إلى العيس، أنت تعرف شو في بالعيس، وإذا سقطت العيس كأن حلب سقطت كلها».

ينتهي الاتصال ويبدأ بشرح الوضع الراهن لرفاقه الذين حالما استقروا أطلقوا اللحى وقصوا الشوارب، وارتدى بعضهم الزي الأفغاني.

 

«الخليفة أردوغان»

لم يتابع هؤلاء، مثلاً، مؤتمر فيينا بقدر ما كانوا يترقبون نتائج الانتخابات البرلمانية التركية. فوز حزب العدالة والتنمية أصابهم بالنشوة. احتفلوا به على طريقتهم الخاصة، أناشيد «جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة» حاضرة بقوة. أمضوا ليلة إعلان النتائج يحملون فيديوهات عمليات إرهابية وتفجيرات استهدفت الجيش السوري في مختلف المناطق السورية، وأعلنوا تتويج اردوغان خليفة للمسلمين، واسهبوا في تبجيله وذكر مزاياه ومواقفه التي تدعم أفكارهم!

 

حالما استقروا

أطلقوا اللحى وارتدى بعضهم الزي الأفغاني

يقول نضال، الطالب الجامعي الآتي من مدينة اللاذقية: «شعرت بالريبة حين سمعت أحاديثهم، وكيف أنهم قد يفعلون أي شيء يمكن أن يؤذي من يخالفهم بالرأي والمعتقد، حاولت في البداية إخفاء طائفتي، سمعت منهم الكثير من القصص، وتنهال الشتائم التي لا يمكن السكوت عنها، لكن حين وصلت إلى أوروبا شعرت بالأمان أكثر، وذكرت اسم طائفتي دون أي خوف، والسؤال الذي لم أجد جوابه، هو ماذا سيفعل هؤلاء في أوروبا وهم يسمونها بلاد الكفار؟ بما أنهم معجبون لهذه الدرجة بتركيا أردوغان فلماذا لم يبقوا عند السلطان؟».

«اللهم عليك باليهود ومن والاهم، وأهلك من ناصرهم واجعلهم غنيمة للإسلام والمسلمين، وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم أهلك طاغية الشام وعبد إيران، وعليك بالروس الصليبيين وزعيمهم بوتين…»، يتردد الصوت في مخيّم اللاجئين. شيخ في عقده السابع يخطب بمجموعة من الشباب، ويؤمهم في الصلاة. لا يمنع القائمون على المخيّم أي شخص من ممارسة طقوس عبادته بل يحترمونها فلا يقطعون صلاة، ولا ينزعون حجابا، بل يمنعون شرب الكحول إلا أن هذا لا يشفع لهم أبداً عند أول مشكلة تحدث ينعتهم اللاجئون فيها بالكفار بصوت واحد مسموع.

سقط محمد على الأرض مغمى عليه، ليست المرة الأولى خلال شهره الأول في المخيم. بانتظار سيارة الإسعاف ارتفعت صيحات رفاقه «كفار… كفار»، وهاجموا متطوعي الصليب الأحمر بزعم أنهم لا يريدون إنقاذه. ملامح محمد غير واضحة لكثافة لحيته، إلا أنه فقد الوعي غير مرة بسبب الإفراط في شرب الكحول، فاعتاد المسعفون حالته.

الحجاب خط أحمر

 

اعترض لاجئون على إجراءات التسجيل التي تفرض على الأنثى المحجبة نزع حجابها من أجل التقاط صورة شخصية لتقديم طلب اللجوء بحسب القوانين المعمول بها هنا. لم يجد هذا الاعتراض آذاناً صاغية لأنه بمجرد دخولك إلى أي بلد عليك الالتزام بقوانينه ما زاد في الحقد على المجتمع الأوروبي.

تقول إحدى اللاجئات: «خسرنا بيتنا ووظيفة زوجي الحكومية وتكلفة السفر لكن مستحيل ان نخسر ديننا، حجابي خط أحمر، ابنتي خديجة عمرها تسع سنوات إذا أجبرونا على نزع حجابها فسنعود إلى بلدنا. إنها خطة يهودية ضد المسلمين يجب أن نرفضها، ونقوم بتظاهرات ضد هذه الاجراءات.

لم يجبر الأوروبيون أنثى على نزع حجابها، يحدث ذلك فقط لحظة تقديم طلب اللجوء من أجل التقاط صورة شخصية.

يقول أبو منير، الواصل مع زوجته وطفليه من مدينة حلب: «إن ما يحدث هنا كفر، كيف يطلبون من زوجتي نزع حجابها؟ هذا لا يجوز ولا يقبله الدين والعقل، اعترضنا على هذا الإجراء دون فائدة، والجريمة الأكبر هي الأكل غير الحلال الذي يقدمونه إلينا».

ما زالت الدول الأوروبية تستقبل الآلاف من اللاجئين الفارين من هول الحرب في بلادهم، ولا سبيل لمعرفة أفكارهم الرديكالية، إلا أن شرط الاندماج بالمجتمع هو الكفيل ببقاء اللاجئ في هذه البلدان، لكن يبقى السؤال هل سيحترم هؤلاء حريات الأفراد ويندمجون في المجتمع بحق، أم أنهم سيكونون قنابل موقوتة ستنفجر في أصقاع أوروبا كافة؟ المستقبل القريب وحده كفيل بالإجابة عن هذا السؤال.

الاخبار