أجارات العقارات .. حكاية معاناة فاقمتها الحرب

0
70

دمشق-خاص – بشرى برهوم – رحاب علي |
نزوحٌ وضغطٌ سكاني فرضته ظروف الحرب على بعض المناطق السكنية في سورية مقابل مناطقٍ خالية بسبب اجرام التنظيمات الإرهابية التي انتشرت فيها و هجرت أهلها كل ذلك كان السبب المباشر في ارتفاع أسعار أجارات العقارات بشكل جنوني أصبح معه التفكير في قبض الراتب الشهري ودفعه للأجار كابوساً يقض مضجع أي مواطن يدفع فاتورة أمانه في وطنه.
فقد أصبح إيجار منزل في العاصمة دمشق وريفها مهمة صعبة وشاقة وكثيرة التكاليف فعملية استئجار شقة ليست بالأمر السهل ورقيا وماديا حيث وصلت اجارات المنازل إلى مستويات جنونية تفوق قدرة المواطن الذي لا يتجاوز دخله الشهري في أحسن الأحوال تتراوح بين /25-35/ ألف ليرة في القطاع الحكومي و نحو /50/ ألف في الخاص.
ولتسليط الضوء على هذا الموضوع كان لنا جولات في عدة مناطق وأحياء في دمشق وريفها /أشرفية صحنايا وجرمانا والمزة والدويلعة وغيرها من المناطق/ رصدت فيها أسعار الايجارات ومعاناة المواطنين ففي ضاحية قدسيا مثلا تراوحت أسعار الإيجار بين/50-200/ ألف ليرة سورية وفي المزة 86 تراوحت الإيجارات بين/50-100/ ليرة سورية وسط تحكم صاحب العقار بالسوق وفرض شروط معينة على المستأجر أما إيجار الشقق في أرياف دمشق مثل /جديدة عرطوز وصحنايا والدويلعة/ تبدأ من 60 ألف ليرة سورية وما فوق //طبعا لمنزل غير مخدم// أما في جرمانا تبدأ من 100 ألف وما فوق بينما يبلغ إيجار شقة سكنية في منطقة أبو رمانة لبيت بين 80 و100 متر ما يفوق الـ 500 ألف ليرة وهناك شقق في منطقة المالكي و تنظيم كفر سوسة و أوتوستراد المزة يصل إيجارها الشهري إلى أكثر من مليون ليرة سورية أما أحياء المهاجرين وركن الدين والشاغور والبرامكة فقد بلغ وسطي الإيجارات فيها حوالي 150 ألف ليرة شهريا وانخفض الرقم لنحو 50 إلى 75 ألف ليرة في الأحياء الشعبية ليصل إلى 30 – 50 ألف ليرة في العشوائيات والمخالفات.


//مخنوقين بس مو طالع بإيدنا شي مجبورين نتحمل لنعيش بأمان // جملة نطقها الكثير من المواطنين في هذه الأحياء من بينهم العم /مروان شرف/ من أهالي أشرفية صحنايا يعمل على سيارة أجرة ليؤمن أجار سقف لإيواء عائلته قائلا…// من 12 سنة ساكن بالمنطقة كان أجار بيتي قبل الحرب/3/ ألاف ليرة وصل هلا ل /40/ ألف ليرة على الرغم من أني مستأجر من شخص بهموا أمري // مضيفا… // ما بقول غير الحمدالله أنا مستأجر ب40 غيري مستأجر ب50 و60 وبنفس الحارة… عم اشتغل ليل نهار لأمن أجار بيت يأويني وأولادي // .
ورأى المواطن شرف أن ارتفاع أسعار إيجارات المنازل لم يؤثر في إقبال السوريين على الاستئجار وبالرغم من عودة معظم الجغرافية السورية لسيطرة الدولة وعودة المهجرين لمناطقهم إلا أن نسبة كبيرة من تلك المنازل لا زالت غير صالحة للسكن وبالتالي لا زال المواطن السوري مضطرا للاستئجار والبقاء تحت رحمة المؤجرين
معتبرا أنه في حال تم تأمين بيوت المهجرين في مناطقهم لعودتهم إليها يتم تخفيف موضوع ارتفاع الإيجارات .
وفيما يخص شروط تأجير المنزل أوضح رستم رستم من قاطني منطقة المزة /86/ أنه غالبا ما يطلب أصحاب الشقق دفع مقدم /6 /شهور أو سنة لتأجير الشقة حيث إن ظاهرة دفع /كل شهر بشهرو/ انتهت ولم يعد أحد يتداولها في حين أشارت جلنار إلى أن جشع أصحاب العقارات دفعهم في كثير من الأحيان إلى إخراج المستأجر من مسكنه ليسكن مكانه مستأجر أخر دفع له قيمة أكبر مبينة أن فوضى استغلال أزمة النزوح وجنون ارتفاع الأسعار جعلت مالكي العقارات والأموال يستفيدون من معاناة المهجرين والفقراء ليزيد ثراء الأولين وفقر الأخيرين ما يزيد الهوة الاجتماعية والطبقية ويجعل القدرة على الاستمرار في الحياة تزداد صعوبة لدى الفقراء.
ولم ينته الأمر هنا بل هناك من اضطر للسكن في شقق //ع العضم// لتتناسب مع دخله المحدود.. تقول سيدة من سكان جرمانا //اضطررت للنزوح مع عائلتي إلى جرمانا حيث استأجرت منزلا على العضم لا يمتلك أدنى مقومات المعيشة مقابل مبلغ يتناسب إلى حد ما مع دخلنا// مشيرة إلى أن أصحاب العقارات لا يفرقون بين عامل أو مواطن بسيط يتقاضى راتبا محدودا وآخر من الطبقة المخملية قادر على دفع الإيجار لارتفاع راتبه.
بدوره بين مازن مندورة أن أحد الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة السكن هي ضعف القدرة الشرائية للمواطن بالمقابل رفع الأسعار من قبل صاحب العقار خصوصا وأن عقد الإيجار شريعة المتعاقدين وهذا بطبيعة الحال أدى إلى ظهور تجار الأزمة الذين استغلوا الوضع الراهن وحاجة الناس مشيرا إلى أن عمليات الإيجار تتم بشكل مباشر أو عن طريق //سمسار عقارات//.
وطالب جميع المواطنون الذين التقيناهم بضرورة وجود رقابة حكومية على التجار والمكاتب العقارية والبلديات والعمل على وضع دراسة وخطط إسعافيه واستراتيجية بعيدة المدى لتحديد الحد الأعلى والادنى للإيجارات في كل منطقة بعد أن يتم تقييم قيمة العقارات من جديد.


أغلب أصحاب المكاتب العقارية رفضوا رفضا باتا الحديث أمام عدستنا عن الأسباب التي جعلتهم ينساقون وراء هذا الارتفاع منهم من تحجج بأن ليس لديه وقت للحديث معنا والبعض لا يرغب بالحديث كي لا يكشف للمواطنين زيفه واستغلاله لكن وبعد نقاشات طويلة مع البعض منهم استطعنا الحديث مع بشار عطية صاحب مكتب شام العقاري في أشرفية صحنايا الذي أوضح أن الأرقام الفلكية التي طالت أسعار الإيجارات في سورية ترتبط بالتغيرات التي فرضت نفسها على سوق العقارات بدءا من مسألة العرض والطلب وحالات النزوح إلى مناطق آمنة وانتقالا إلى الجانب الاقتصادي وعدم استقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار بما فيها ضعف القدرة الشرائية للمواطن إضافة إلى عدم وجود مؤسسات إقراض حقيقية تساعده على امتلاك منزل.
وفي سؤالنا له عن سبب ارتفاع أسعار إيجار العقارات وإمكانية المواطن ذوي الدخل المحدود للاستئجار قال عطية // إن الأسعار تختلف من منطقة لأخرى فهناك مناطق على أطراف العاصمة كصحنايا وجرمانا وقدسيا تتراوح الإيجارات فيها بين 25 و 35 ألف ليرة سورية مشيرا إلى أن هذه المناطق غالبا ما تفتقر إلى الخدمات كالكهرباء والمياه وتعاني صعوبة بالمواصلات وهي لا تناسب دخل مواظف حكومي راتبه لا يتجاوز مردوده ال35 الف ويعمل عمل ثان بعد عمله .
عدا عن الأرقام الخيالية التي وصلت لها الإيجارات في بعض المناطق يفرض بعض المؤجرين شروطا على المستأجر لزيادة الأرباح كشرط دفع تأمين يساوي أجرة شهر إضافة لأجرة المكاتب العقارية التي تساوي قيمة الإيجار الشهري//هذا ما أكده علاء صاحب مكتب عقاري في منطقة المزة// مبينا أن هذا كله يتحمله المستأجر لوحده أي أن المستأجر يضطر لدفع أجرة شهرين لتوقيع العقد فقط عدا عن بدل الإيجار ويشترط بعض المؤجرين أن يدفع المستأجر مقدما لمدة 6 أشهر أو لمدة سنة كاملة في بعض الأحيان بحسب علاء.
وبين علاء أن سوق العقارات حاليا يشهد انخفاضا في الطلب على الاجارات و الشراء مرجعا سبب ذلك نتيجة عودة أغلب المهجرين إلى مناطقهم بعد أن حررها الجيش العربي السوري من الإرهاب.
الباحث الاقتصادي عمار يوسف : الاجار في أي منطقة في سورية يعادل/3/ أضعاف راتب الموظف
الدكتور عمار يوسف محامي وباحث في الاقتصاد العقاري أوضح أن العقارات في سورية تعاني هذه الأيام من كثرة العرض وقلة الطلب مما سبب ركودا لجهة البيع والشراء بينما يرى تحلحلا في بعض المناطق لجهة الإيجارات بعد عودة الكثير من سكان المدن والقرى التي تم تحريرها إلى بيوتهم مما زاد من عرض بيوت الإيجار وساهم في تخفيض أسعارها ما بين 15 و 20 بالمئة.


وأوضح يوسف أنه في أي منطقة في سورية الاجار يعادل/3/ أضعاف راتب الموظف بشكل عام قائلا … // الوضع سيء بالنسبة للمواطن فلا يمكن أي مواطن من خلال دخلة أن يستأجر بيت في أي منطقة مبينا أن السوريين يحتاجون إلى 3 ملايين مسكن في هذه الأيام لأنه في الحالة الطبيعية بدون حرب كانت حاجتهم السنوية تصل إلى 100 ألف مسكن وهذا الرقم كبير وتأمينه ليس بالأمر السهل ولا يتم بين ليلة وضحاها ويحتاج لجهود كبيرة فيما لو كانت الحكومة جادة في ذلك.
وتوقع يوسف أن تنخفض أسعار العقارات في الفترة القادمة من 10 الى 15بالمئة موضحا أنه لم يصدر أي قرار حكومي حتى الآن يدعم حصول المواطن على مسكن بل على العكس كل القرارات ساهمت في زيادة أسعار العقارات وبقي الدخل نفسه منوها أنه حتى القرض العقاري لا يفعل شيئا حاليا فعلى فرض تم فتح منح القروض يجب أن يتناسب ذلك مع دخل الموظف وأعلى دخل حاليا لا يتجاوز القرض المناسب له /2/ مليون ليرة وهذا المبلغ لا يشتري حمام في منزل.
ويشير يوسف إلى أن لا حل لملف إعادة الإعمار إلا بإحداث هيئة عليا لإعادة الإعمار مستقلة عن الحكومة لعدة أسباب منها سهولة إصدار القوانين والمراسيم التنظيمية الخاصة بها والسرعة في الإنجاز منها عند التعامل مع جهات حكومية متشعبة وروتين طويل بحيث يتم اختيار نوعية من الموظفين أصحاب القرار مضيفا .. //أي منطقة مخالفات يبنى فيها برج كامل مكون من 12 طابقا خلال شهر ونصف فقط فلماذا لا ينظم هؤلاء للمشاركة في إعمار مناطق تنظيمية؟.
ورأى يوسف في ختام حديثه أن التأخر بتسليم السكن الشبابي والادخاري لأعداد كبيرة من المكتتبين من قبل مؤسسة الاسكان ساهم بزيادة اعداد المستأجرين بالتالي ارتفاع الاسعار معتقدا أن النسبة الأكبر في ملف الإسكان تقع على عاتق القطاع الخاص لكنه لا يملك أراض كافية في ظل استملاك حكومي //المؤسسة العامة للإسكان// لأغلب الأراضي التي يمكن أن يستثمرها هذا القطاع.
بدوره أوضح عضو المكتب التنفيذي في محافظة دمشق فيصل سرور في تصريح هاتفي أنه لا يوجد قانون في سورية يحدد مستوى الإيجارات إنما هذه الإيجارات تخضع لإرادة المتعاقدين حيث أن العقد شريعة المتعاقدين وأنه ليس للحكومة أي صلاحية بالتدخل بحقوق الممتلكات الخاصة وفقا لما تنص عليه المادة /50/ من الدستور التي تتضمن //الملكية الخاصة مصانة// وبالتالي لا يحق لأي شخص أو هيئة التدخل في تسعيرة إيجارات المنازل ذات الملكية الخاصة مشيرا إلى إمكانية التدخل بالعقود المختصة بالإيجارات حيث حددت المحافظة الحد الأدنى لقيمة العقد بأن لا يقل عن 500 ليرة في الشهر الواحد نتيجة تحديد المتعاقدين للتسعيرة بقيمة 100 ليرة للتهرب من الرسوم المترتبة عليهم مع العلم أن القيمة المذكورة في هذه العقود منافية للواقع إلا أن العقد بالتراضي بين الطرفين وبالتالي لا يمكن تغييره مخضعا انسحاب الدولة من التدخل في عقود الإيجار لمبدأ العرض والطلب الذي يتحكم به تجار العقارات والمكاتب العقارية
وذكر سرور أنه يمكن لأحد طرفي العقد أن يقوم بتقدم طلب للقضاء بدعوة //إكراه أو غبن// بتسجيل المبلغ المذكور في العقد في حال كان منافيا للحقيقة ويتم من خلاله تعويض المدعي عن الأضرار المادية وفسخ العقد.
وقال سرور إنه من واجب الحكومة تأمين سكن مناسب للمواطن وإنما لا يوجد أي قانون أو دستور يلزم المؤجرين بقيمة معينة أو تسعيرة محددة وفي حال التدخل سيغلق المواطنين منازلهم ويمتنعون عن الإيجار لافتا إلى القانون رقم /111/ عام /1952/ والذي تم وفقه تمديد مدة العقود بقوة القانون كما تم تعديله بفترة لاحقة وخفض الإيجارات بشكل ملزم إلا أنه تم الاعتراض على هذا القانون وألغي لاعتباره غير عادل.
يبدو من تصريح سرور أن الجهات الحكومية متمسكة بتطبيق القانون والعدالة حرفيا ولكن بعض العقارات التي يتم طرحها للإيجار في بعض المناطق مثل/ جرمانا وركن الدين وغيرها/ تعد غير صالحة للسكن حسب القانون الذي اشترط أن يكون العقار المؤجر صالحا للسكن فهل ستأخذ تلك الجهات ما يعجبها من القانون وتترك ما لا يروق لها.
وتبقى أزمة السكن مرهونة لظروف الحرب وسط وجود تاجر لا يرحم ومواطن يدفع الثمن وحده .