أرشيف الوسم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان: اوروبا تتمرد بـ”شراسة” على سياسة واشنطن في سوريا

لندن|

بعد انهيار منظمة “اصدقاء سورية” وكل افرازاتها، بما في ذلك “الائتلاف الوطني”، الذي كان قبل عامين فقط يعتبر الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري، ويجلس رئيسه على مقعد سورية في قمة الدوحة العربية، بدأ “التحالف الستيني” الذي شكلته الولايات المتحدة قبل عام لمحاربة “الدولة الاسلامية” يتشقق هو الآخر، وقد لا يصمد طويلا بصورته الحالية، مثل كل المنظومات والتحالفات المماثلة التي سبقته.

ثلاثة مسؤولين في دول اوروبية كبرى اعلنوا امس، وفي توقيت لافت، التمرد على السياسات الامريكية، سواء في كيفية التعاطي مع الرئيس السوري بشار الاسد، او الانخراط في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”.

وزير الخارجية الاسباني خوسيه مانويل غارسيا، طالب اثناء زيارته الحالية الى طهران، بالتفاوض مع الرئيس السوري للتوصل الى وقف اطلاق نار، يبدأ من حلب ويمتد الى كل المناطق السورية الاخرى، مؤكدا ان السلام لا يتحقق الا مع الاعداء.

نظيره النمساوي سباستيان كورتز ذهب الى ما هو ابعد من ذلك، عندما قال في تصريحات صحافية (الثلاثاء) على “الدول الغربية ان تشرك الرئيس السوري في الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، وهي المطالب نفسها التي طرحها الرئيس الروسي بوتين قبل شهرين.

اما رئيس الوزراء الايطالي ماثيو رينزي فبزّ الجميع، وذهب بعيدا عن كل نظرائه الاوروبيين، عندما اعلن في برنامج تلفزيوني اذيع (الثلاثاء)، ان بلاده لن تشارك في الغارات الجوية في اطار التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد مواقع “الدولة الاسلامية” في سورية اسوة بقراري فرنسا وبريطانيا في هذا المضمار، لان بعض الافعال والمبادرات قد تعطي نتائج عكسية، وتساءل “هل كانت عملية الاطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي جيدة”، واضاف “القذافي كان ديكتاتورا خطيرا للغاية لكن يجب توخي الحكمة والحذر قبل اتخاذ اي قرار مماثل”، ولعله يشير بوضوح الى الوضع المأساوي الذي تعيشه ليبيا، وهو محق كليا في ذلك.

***

صدور هذه الاصوات في يوم واحد امر لافت، ويشكل في نظرنا انقلابا ضد السياسة الامريكية في الشرق الاوسط، وما تتخمض عنه من حروب، لان هذه السياسة باتت ترتد عكسيا على اوروبا وامنها واستقرارها، سواء على شكل تدفق مئات الآلاف، وربما ملايين اللاجئين اليها، وبما يهدد هويتها المسيحية، مثلما تؤكد الاحزاب اليمينة المتطرفة، او اعمال العنف والارهاب الانتقامية التي يمكن ان تقدم عليها “الدولة الاسلامية” وانصارها، والمتعاطفين معها، او غيرها من التنظيمات، خاصة ان هناك مخاوف من اندساس بعض هؤلاء في اوساط المهاجرين.

خمس سنوات تقريبا والادارة الامريكية تحتكر ملف الازمة السورية، وتستخدم المنطقة كحقل تجارب، ومع ذلك جاءت النتائج كارثية بالنسبة الى اوروبا خاصة، فالرئيس الاسد يزداد قوة بفضل الدعم الروسي الايراني الصلب، و”الدولة الاسلامية” تزداد قوة، وتواصل تمددها في الجوارين العراقي والسوري، وتفتح فروعا او ولايات في اكثر من دولة عربية واسلامية، ويعلم الله وحده ما هي المدينة الجديدة التي ستضمها الى امبراطوريتها، فهل ستكون بيجي النفطية التي تسيطر على نصفها حاليا، ام كركوك، ام النجف، ام كربلاء، ام حتى بغداد نفسها؟

الاوروبيون هم الذين يدفعون ثمن هذه السياسات الامريكية المرتبكة والمتقلبة في آن، لانهم الاقرب الى المنطقة، التي تجمعهم بها حوض البحر الابيض المتوسط، اما امريكا فبعيدة جدا، اكثر من عشرة آلاف كيلومتر، ويشكل بحر الظلمات (المحيط الاطلسي) عازلا طبيعيا، ودرعا واقيا.

احصاءات اوروبية جرى نشرها في الايام القليلة الماضية تفيد بان معظم اللاجئين الذين يركبون البحر باتجاه اوروبا يأتون من المناطق التي تقع خارج سلطة النظام، وتؤكد ان عدد سكان دمشق تضاعف في السنوات الخمس الماضية بالقياس الى ما قبلها، وكأن حال الذين ينشرون هذه الاحصاءات يريدون القول ان اللاجئين لا يأتون من مناطق النظام، وانما المعارضة المسلحة، وبما يبرر التفاوض معه، اي النظام.

الحسم العسكري غير ممكن، والحل السياسي ما زال بعيدا، ودول الجوار (تركيا والاردن ولبنان) لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من اللاجئين، والدول العربية المتورطة في الازمة السورية، وصب المزيد من الزيت على نارها، طوال السنوات الخمسة الماضية، من خلال دعمها للمعارضة المسلحة، لا تريد استقبال لاجئ سوري واحد ، وتفرض شروطا تبدو في نظر بعض الدول الاوروبية تعجيزية للوصول الى الحل السياسي.

***

الولايات المتحدة تريد تغطية فشل سياساتها بافتعال ازمة جديدة مع روسيا، والايعاز الى حلفائها من الاوروبيين الجدد مثل بلغاريا واليونان (على حد توصيف دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي الاسبق) بعدم السماح للطائرات الروسية بالمرور عبر اجوائها خشية ان تحمل معدات عسكرية لسورية، وتنسى هذه الادارة الامريكية ان هناك طرقا برية وجوية وبحرية بديلة اولا، وانها تجر المنطقة الى حافة الحرب العالمية الثالثة ثانيا.

اين العرب من كل هذا؟

العرب مشغولون بارسال قوات الى اليمن لـ”تحرير” صنعاء، وعمران، وصعدة، والحديدة، وباقي المدن الاخرى، ينتقلون من حرب الى اخرى دون حسم اي منهما، والضحايا عرب وليسوا ايرانيين، سواء كانوا مهاجمين او مدافعين.

رحيل الرئيس السوري لم يعد وشيكا والقضاء على “الدولة الاسلامية” بات اكثر صعوبة، والثورة الاوروبية على السياسة الامريكية في الشرق الاوسط ستزداد قوة واشتعالا فيما هو قادم من ايام.. وشكرا للاجئين السوريين، الاحياء منهم والاموات الذين قلبوا كل المعادلات، وفتحوا عيون بعض الاوروبيين الى الكوارث الزاحفة اليهم من جراء تحولهم الى قطيع يديرهم البيت الابيض عن بعد.

عبد الباري عطوان: القرضاوي والعريفي والعرعور منافقون

لندن”|

انهار من الحبر والدموع تتدفق هذه الايام تباكيا على مأساة اللاجئين السوريين الذين يركبون البحر والشاحنات المبردة بحثا عن البقاء، وليس حياة كريمة، بعد ان تآمرت قوى عديدة، داخلية وخارجية، بحسن نية او سوئها، على تدمير بلادهم، وقتل مئات الآلاف منهم.

المفارقة الكبرى ان الدول العربية، والخليجية منها بالذات، التي صدعت رؤوسنا عبر امبراطورياتها الاعلامية والتلفزيونية الجبارة بدعمها للشعب السوري، وحرصها على تحريره من الطاغية، وتوفير الاستقرار والرخاء له، وتنفق مليارات الدولارات على تسليح معارضته، هذه الدول لم تستقبل لاجئا سوريا واحدا، واغلقت حدودها في وجههم، واشاحت بوجهها الى الناحية الاخرى.

الدول العربية الفقيرة المعدمة المسحوقة، الغارقة في الديون، وعجز الميزانيات، مثل الاردن ولبنان ومصر، استقبلت مئات الآلاف من هؤلاء، بل الملايين في بعض الاحيان، وهي التي لا تملك ماءا كافيا لشرب ابنائها، ناهيك عن هؤلاء، فتحت صدرها لهم، وتعاطفت مع معاناتهم، بينما الدول العربية التي تملك مئات المليارات في صناديقها السيادية لا تريد ان تعرف، في موقف يتناقض كليا مع قيم العروبة والاسلام والمروءة والرحمة.

***

 الاوروبيون يستقبلون مئات الآلاف من هؤلاء ويقدمون لهم العون والمساعدة، ويفتحون لهم مدارسهم وجامعاتهم، ويوفرون لهم فرص العمل، ويمنحونهم جنسياتهم واقاماتهم الدائمة بعد سنوات معدودة تؤهلهم خلالها للتأقلم مع مجتمعاتهم الجديدة في ظل حماية قانونية مؤكدة.

انجيلا ميركل مستشارة المانيا الاتحادية، تستقبل سنويا اكثر من 50 الف لاجيء، ومن بين هؤلاء 350 الف سوري، وتتعهد بأن لا تعيد من هؤلاء لاجئا واحدا، لان هذا يتعارض مع قيم العدالة والانسانية التي تؤمن بها، ويطالب وزير داخليتها توماس دي ميزر اليوم بتعديل الدستور لمساعدة اللاجئين بصورة اسرع، واقل بيروقراطية  والتصدي لمن يريد الاعتداء عليهم، ويخرج علينا احدهم في احد القنوات “الاسلامية” ويقول ان السيدة ميركل تتزعم حزبا مسيحيا، ونخشى على هؤلاء اللاجئين السوريين من التنصير.

شكرا لهذا الداعية على مشاعره الطيبة هذه، لكن نسأله سؤالا محددا وهو، لماذا لم تحافظ دولته على اسلام هؤلاء وعقيدتهم، وتفتح ابوابها لهم، أليست اولى بهم من المانيا او بريطانيا او فرنسا او النمسا؟

من زار مخيم الزعتري في الاردن في بداية ازمة تدفق المهاجرين السوريين عبر الحدود بحثا عن الامان من القصف، سمع قصصا مرعبة عن الذئاب الهرمة، المتخمة جيوبها بالمال، التي كانت تحوم حول المخيم مع سماسرة اللحم البشري بحثا عن فتاة قاصر لشرائها، بغرض متعة محرمة بلباس شرعي مزور، وهناك العشرات من التقارير والافلام الوثائقية التي تؤكد ما نقول.

حولوا الصبايا السوريات الى سبايا، بينما حكوماتهم تشارك بالمجازر وتصب الزيت على نار الازمة، ليس حرصا على الشعب السوري، مثلما تدعي، وانما للثأر واشفاء الاحقاد من رئيس سوري وصفهم بأشباه الرجال لتقصيرهم في مواجهة مشاريع الهيمنة الخارجية الذي ثبت بالدليل انهم طرف رئيسي في تسهيلها وتمريرها، ولتورطهم في مخططات تفتيت هذه الامة وتقسيمها على اسس طائفية تحت ذرائع متعددة.

توقعنا، وبعد ان شاهدنا اطفال سوريا وامهاتهم جثثا تقذفهم امواج البحر، او اشلاء متحللة في شاحنات مجمدة، او حرائر تتسول المرور عبر البوابات الاوروبية، توقعنا ان نسمع او نقرأ فتاوى لشيوخنا الافاضل مثل القرضاوي والعريفي والسديس والعودة والعرعور تلزم الدول التي يقيمون فيها بايواء هؤلاء الضحايا، وتنتصر لهم ولمعاناتهم، مثلما انتصروا لهم في وجه النظام، ودعوا الى الجهاد من اجل انقاذهم، ولكن هؤلاء صمتوا صمت القبور، وما زالوا، فلماذا لا يطالبون السعودية وقطر والامارات والكويت بنجدة هؤلاء؟ اليسوا مسلمين؟ السوا من ابناء المذهب السني؟

الالمان “الكفرة” ينظمون مظاهرات ضد العنصرية، ويطالبون حكوماتهم باستقبال اللاجئين السوريين دون قيود او عوائق، وشاهدنا مشجعي كرة القدم في المدرجات يرفعون لافتات تطالب بالشيء نفسه، فلماذا لا يفعل شيوخنا الشيء نفسه، او حتى ربعه، في وجه معظم حكامنا عديمي الانسانية؟

الغرب “الكافر” يقدم الاعانات والتعليم والطبابة لهؤلاء “الارهابيين” المسلمين، بينما الدول العربية، والخليجية منها بالذات، الغنية المتخمة خزائنها وارصدتها بمئات المليارات من الدولارات، لا تسمح للمقيمين فيها من العرب والمسلمين، لعشرات السنوات بالطبابة في مستشفياتها، او الدراسة في مدارسها او جامعاتها، فكيف ستستقبل المهاجرين السوريين؟

وليتهم لا يريدون هؤلاء المهاجرين في بلادهم فقط بل يتدخلون في بلدانهم، ويرسلون الاسلحة والاموال لتدميرها، وبذر بذور الفتنة الطائفية فيها، لتصعيد اعمال القتل والتهجير، فاذا كنتم لا تريدون اكرام وفادة هؤلاء اللاجئين، نرجوكم ان تكفوا شركم عنهم، ولا تتدخلوا في شؤونهم، فمن يريد مساعدة السوريين في الداخل لا يمكن ان يتخلى عنهم في الخارج، وصححونا اذا كنا مخطئين.

ازمة اليمن، والتدخل العسكري السعودي فيها اكملت شهرها الربع، ونراهن انها ستستمر وستدخل عامها الخامس وربما السادس والعاشر، مثل نظيرتها السورية، والحصار الذي تفرضه دول التحالف السعودي برا وبحرا وجوا، اشرس بكثير من الحصار المفروض على سورية، على الاقل يستطيع السوريون الهرب الى لبنان والاردن، والعراق واوروبا، ولكن اين سيهرب اللاجئون اليمنيون وكيف؟ وماذا سيحصل لهم اذا كسروا هذا الحصار وتدفقوا بالملايين الى جارتهم السعودية؟ هل ستستقبلهم بحفاوة مثلما فعل اللبنانيون والاردنيون والاوروبيون، ام ستطلق النار عليهم لمنعهم؟ نحن نسأل فقط، ونعرف اننا لن نتلقى اي جواب، بل الشتائم والسباب كالعادة.

***

بعد حرب الكويت عام 1991، اخطأ بعض العراقيين ولجأوا الى السعودية، ومن بينهم جنود واسرهم، ماذا حدث لهؤلاء؟ جرى وضعهم في مخيم رفحة في وسط الصحراء، وسط حراسة مشددة، وجرى منعهم من مغادرتها لاكثر من خمس سنوات، لانهم عراقيون، ودفعت السلطات السعودية مئات الملايين من الدولارات لمنظمات الامم المتحدة الخاصة بشؤون اللاجئين لاستيعابهم في دول اوروبية مثل السويد والنرويج وكندا، ولم تسمح لواحد منهم بالبقاء في الممكلة ودفع اليأس منهم الى العودة الى عراق صدام حسين، ومعظم هؤلاء من الشيعة الذين ثاروا ضد الرئيس العراقي نفسه، اي حلفاء للسعودية التي استضافت نصف مليون جندي امريكي لاخراجه من الكويت بالقوة، وتدمير العراق لاحقا، وهذا يكشف الفرق بيننا وبين الاوروبيين الصليبيين.

قبل سنوات دعيت لالقاء عدة محاضرات في كندا، من بينها واحدة في اوتوا العاصمة، وفوجئت بعدد كبير من الحضور من “الكويتيين”، وعندما سألت عن السبب قالوا لي انهم من فئة البدون، وهاجروا الى كندا وحصلوا على جنسيتها، ولكنهم ما زالوا يعتبرون انفسهم كويتيين، ويحنون الى الكويت ويعتبرونها بلدهم.

اننا كعرب نقدم ابشع الامثلة في العنصرية، وليس هؤلاء الاوروبيين، فالاوروبي الذي يتعاطف مع هذا اللاجيء السوري الفار بحياته، ويحمل اطفاله على اكتافه، ويتحمل كل الضنك والمعاناة والاذلال، لا يسأله عما اذا كان سني او شيعي او اسماعيلي او علوي او مسلم او مسيحي، لانه يتعامل معه كانسان فقط يحتاج الى المساعدة.

الغالبية الساحقة من اللاجئين السوريين الى اوروبا هم من السنة العرب، فأين هؤلاء العلماء الافاضل الذين يتباكون على السنة من منطلقات طائفية من هؤلاء، فاذا كان النظام ظلمهم ومسؤول عن ازمتهم ومعاناتهم، فلماذا لا يهرعون لايوائهم اذا كانوا صادقين فعلا؟ ثم اين المعارضة السورية، ولماذا لم تنتصر لهؤلاء، وتتحدث عن جحود داعميها العرب تجاههم؟

بعد كل هذه المواقف التي تتسم بالازدواجية والنفاق يسألون لماذا يتطرف الشباب المسلم وينضم الى “الدولة الاسلامية” و”القاعدة” وغيرها ويفجر نفسه هنا وهناك.

لمعرفة الجواب رجاء اعادة قراءة المقال من بدايته.

عبد الباري عطوان: سلمان فشل في إقناع موسكو بالتخلي عن الأسد

لندن|

مع انتهاء العطلات الصيفية رسميا مع مطلع شهر ايلول الذي يصادف الثلاثاء، يمكن القول ان الملف السوري سيشهد حراكا متسارعا غير مسبوق، سواء اثناء اللقاء الذي سيتم يوم الجمعة المقبل بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الامريكي باراك اوباما، او داخل اروقة الامم المتحدة، حيث من المقرر ان تبدأ اجتماعات الجمعية العامة التي يحضرها العديد من الزعماء ووزراء الخارجية العرب مثلما جرت العادة كل عام.

 هناك مؤشران مهمان في هذا الصدد يمكن رصدهما في هذا الاطار:

الاول: اللقاء الذي تم الاثنين في مدينة جدة بين وزير الخارجية السعودية عادل الجبير والمبعوث الامريكي الى سوريا مايكل راتني، ويعتقد انه جاء تمهيدا لزيارة العاهل السعودي المرتقبة لواشنطن.

الثاني: الوثيقة التي قدمها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا الى مجلس الامن واقترح فيها تشكيل اربع لجان: الاولى الامن والحماية، وتعني انهاء الحصار ووصول المواد الاغاثية لكل المناطق السورية، ووقف اطلاق النار، والثانية تتعلق بالقضايا الدستورية والسياسية، والثالثة الاصلاحات السياسية، والرابعة تشكيل حكومة انتقالية تحارب الارهاب وتشرف على اعادة الاعمار.

هناك مدرستان فيما يتعلق بالتعاطي مع الملف السوري للتوصل الى الحل السياسي الذي تتفق عليه جميع الاطراف:

الاولى: تتزعمها المملكة العربية السعودية وتعطي الاولوية المطلقة لرحيل الرئيس الاسد اولا.

الثانية: تتزعمها موسكو، وتدعمها واشنطن، وتطالب باعطاء الاولوية لمحاربة الارهاب ومنظماته، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص.

السعودية تقول مثلما ورد على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير في موسكو ان رحيل الرئيس السوري اولوية مطلقة لانه جزء من المشكلة وليس جزءا من الحل، بينما ترى روسيا ان الاسد هو العمود الفقري لاي حرب ناجحة ضد الارهاب، واكد وزير خارجيتها سيرغي لافروف ان طرح رحيل الرئيس السوري كشرط مسبق غير مقبول، وان الشعب السوري وحده هو الذي يقرر مصير رئيسه وبلاده.

الجهود السعودية لتغيير موقف موسكو ودفعها للتخلي عن الرئيس السوري باءت بالفشل، رغم المغريات المادية الكثيرة التي عرضها الامير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي على القيادة الروسية اثناء زيارته الاخيرة للعاصمة الروسية، ومن بينها صفقات اسلحة، وشراء مفاعلات نووية، وهناك انباء تفيد ان السعودية يئست من تغيير الموقف الروسي، ويتمثل هذا اليأس في قرار العاهل السعودي بزيارة واشنطن وعدم تحديد اي موعد في المستقبل المنظور لتلبية دعوة روسية بزيارة موسكو.

روسيا لن تخسر شيئا في حال “حرد” السعودية، فهي تراهن حاليا على ايران التي سيرفع عنها الحصار قريبا، والدور الاقليمي الذي ستلعبه في المنطقة، وهذا ما يفسر صفقة صواريخ اس 300 التي قررت روسيا تسليمها الى ايران، مضافا الى ذلك ان زيارة ثلاثة زعماء عرب الاسبوع الماضي لموسكو (الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والعاهل الاردني عبد الله الثاني، وولي عهد ابو ظبي الشيخ محمد بن زايد) يمكن ان تعوض اي خسارة سعودية سياسية او اقتصادية.

واذا كان رحيل الرئيس الاسد يشكل عقبة رئيسية وموضع خلاف، فان توحيد المعارضة السورية يشكل عقدة اكبر، فالائتلاف السوري خسر مكانته وصفته التمثيلية الوحيدة، والاخطر من ذلك، ان جميع فصائل المعارضة السورية المرشحة للمشاركة في لجان دي ميستورا الاربعة المقترحة، والحكومة الانتقالية بالتالي، لا يوجد لها اي تمثيل حقيقي سياسي او عسكري على الارض السورية، والخلافات فيما بينها اكبر من نظيراتها مع النظام السوري نفسه.

 دي ميستورا لم يتحدت مطلقا، علنا او في الجلسات المغلقة، عن رحيل الاسد لانه ممنوع الحديث في هذه المسألة، ولان اي حديث عنها تعني نهايته ومهمته على غرار ما حدث لسلفه الاخضر الابراهيمي.

مسألة رحيل الاسد من عدمه تذكرنا بالجدل البيزنطي حول ايهما اول، البيضة ام الدجاجة، فالخلاف الآن هو.. هل البداية رحيل الرئيس السوري او محاربة “الدولة الاسلامية” واخواتها؟

السيد الجبير وزير الخارجية السعودي قال ان الرئيس الاسد سيرحل سلما او حربا، ورد عليه لافروف بوصفه وبلده بالغباء، مؤكدا وزاجرا بان رحيل الاسد يعود الى شعبه.

السؤال هو: لمن ستكون الغلبة في نهاية المطاف؟

الجدل سيستمر.. وحتى يُحسم، ولا نعتقد انه سيحسم في المستقبل القريب، سيستمر الرئيس الاسد في منصبه، وستستمر “الدولة الاسلامية” في التمدد، وستستمر عملية سفك الدماء للسوريين، ومن ينجو بروحه من القصف من هذه الجهة او تلك، ليس امامه غير ركوب البحر او الشاحنات المبردة بحثا عن ملجأ آمن له ولاطفاله.

عبد الباري عطوان: قراءة مختلفة لاغتيال الرجل الثاني في “داعش”

لندن|

احتفلت الصحف الغربية وبعض شقيقاتها العربية بالطبع، بالبيان الذي اصدره نيد برايس المتحدث باسم البيت الابيض، واعلن فيه مقتل فاضل احمد الحيالي، المعروف ايضا باسم حاجي معتز، الرجل الثاني في تنظيم “الدولة الاسلامية” الى جانب المسؤول الاعلامي في التنظيم، المكني بابي عبد الله، في غارة جوية امريكية يوم 18 من الشهر الحالي، ولكن هذا الاحتفال سابق لاوانه، ويعكس تمنيات، ومحاولة البحث عن انجاز في حرب شرسة ضد “الدولة” لن تعط الا القليل من الثمار المرة.

هذه ليست المرة الاولى التي يعلن فيها الامريكان مقتل الحيالي، فقبل عام تقريبا، اصدروا بيانا قالوا فيه انهم قتلوه في مدينة الرقة، مثله مثل زميله ابو سياف في غارة جوية، مما يعني ان الرجل نفسه قتل مرتين، ويعلم الله متى ستكون المرة الثالثة او الرابعة.

***

ان تنجح الغارات الجوية التي تشنها طائرات التحالف الستيني بقيادة الولايات المتحدة في اغتيال قادة في “الدولة الاسلامية”، ليس بالامر المستغرب، اذا عرفنا ان هذا التحالف شن اكثر من خسمة آلاف غارة حتى الآن ضد مواقعها وتجمعاتها، لكن السؤال هو مدى تأثير هذه الاغتيالات على هذه “الدولة” وتركيبتها القيادية، ومسألة وجودها وتمددها.

اذا تتبعنا الادبيات والبيانات الامريكية، والعراقية الرسمية ايضا، حول سير العمليات العسكرية ضد هذا التنظيم نجد انها تحدثت عن مقتل او اغتيال حوالي خمسة من قادته وصفتهم بصفة “الرجل الثاني”، مثل ابو علاء العفري، وابو سياف، وحاجي معتز (ابو مسلم التركماني)، والقائمة تطول، بل انها اكدت في احدى المرات عن مقتل ابو بكر البغدادي نفسه، في غارة امريكية استهدفت احدى البيوت التي يقيم فيها في مدينة الرقة، لتعود بعد ذلك وتنفي خبرها بالقول انه، اي البغدادي، اغتصب عاملة اغاثة امريكية قبل ان يقتلها وتنسب ذلك الى زوجة ابو سياف التي تم اعتقالها بعد مقتل زوجها.

التركيبة القيادية لـ”الدولة الاسلامية” ما زالت مجهولة، وكل ما يقال عنها مجرد تكهنات، واعادة تدوير لبعض القصاصات الصحافية، لكن ما هو ثابت ومؤكد، انها قيادة “غير مركزية” تضم نواة صلبة من كبار الضباط في الحرس الجمهوري، والجيش العراقي، تحولوا الى الاسلام المتشدد، وانخرطوا في المقاومة العراقية ضد الاحتلال الامريكي، وربما يكون السيد ابو بكر البغدادي هو الوحيد الذي كان مدنيا، وانخرط في صفوف المقاومة.

الدولة الاسلامية” ما زالت قوية، بل تزداد قوة، بينما يدب الضعف في صفوف خصومها، فها هو السيد حيدر العبادي، الذي اعلن الحرب عليها، يواجه صعوبات جمة، واعمال تظاهر شعبية ضد الفساد، وها هو السيد رجب طيب اردوغان الذي دخل جبهة الحرب ضدها يفشل في تشكيل حكومة ائتلافية، ويدعو الى انتخابات برلمانية اول تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، قد تتمخض عن نتائج اكثر سوءا بالنسبة اليه من سابقتها.

اما المملكة العربية السعودية فتخوض حرب استنزاف دموية في اليمن تأتي بنتائج عكسية حتى الآن، وسقوط معظم مدن الجنوب “المحررة” في ايدي تنظيم “القاعدة”، بما في ذلك مدينة عدن، والامثلة كثيرة ومعروفة.

مصادر الاستخبارات الامريكية قالت في بيانات منشورة انها قتلت حوالي عشرة آلاف من مقاتلي “الدولة الاسلامية”، وربما يكون هذا الرقم صحيحا، ولكن من الواضح انه ليس له اي تأثير على قوة هذه الدولة وبنيانها، بل ما حدث هو العكس تماما، فما زالت تحتفظ بجميع المدن التي سيطرت عليها ابتداء من الرقة، ومرورا بالرمادي، وانتهاء بالموصل.

 ***

القاعدة الذهبية التي تحدث عنها هنري كيسنجر ورددها آخرون تقول “ان الثوار لا يحتاجون من ينتصروا حتى ينجحوا، وكل ما يحتاجونه ان يصمدوا، وان لا يخسروا، حتى يتعب الاعداء من القتال ويصابون باليأس، ويلجأون الى التفاوض بحثا عن صيغة تسوية لانقاذ ماء الوجه تمهد لانسحابهم.

الدولة الاسلامية” تضع هذه القاعدة في صلب ايديولوجيتها الراهنة، ولهذا ليس مهما لمخططيها الاستراتيجيين خسارة هنا، واخرى هناك، وانما الصمود على الارض والحفاظ بقدر الامكان على الوجود استعدادا لجولات قتالية قادمة.

قادة هذه “الدولة” ليسوا اغبياء، ومن الواضح انهم تعلموا من دروس تنظيم “القاعدة” في العراق وافغانستان الذي ورثوه، وتحولوا الى “اللامركزية” و”القيادة الجماعية”، وابتعدوا كليا عن الاضواء، وهذا احد اسرار نجاحهم حتى الآن، واغتيال “الحيالي” او حتى البغدادي نفسه، لن يؤثر على البناء القيادي لها، وهنا يكمن موطن قوتها، وضعف خصومها، ولهذا لم يجانب وزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر الخطأ عندما قال ان الحرب على هذه الدولة قد تستغرق ثلاثين عاما.

عبد الباري عطوان: امريكا تتجه لتقسيم سوريا والسعودية ومصر

لندن|

تصريحات الجنرال رايموند اوبيرنو رئيس هيئة اركان الجيش الامريكي، الذي احيل الى التقاعد قبل ايام، وقال فيها ان تقسيم العراق هو الحل الوحيد لم تكن زلة لسان، وانما انعكاس لاستراتيجية امريكية تسير بخطى متسارعة في المنطقة العربية بأسرها، بدأت في العراق وامتدت الى سورية، وتتكرس في اليمن، ومن غير المستبعد ان تنتقل قريبا الى المملكة العربية السعودية كمرحلة لاحقة، بعد ان ينتهي دورها بشكل او بآخر في سورية واليمن.

نائب رئيس الوزراء التركي بولنت أرينج تحدث عن المخطط نفسه قبل شهرين عندما توقع تقسيم سورية الى ثماني او تسع دول، ومصر الى دولتين، والعراق الى ثلاثة، والسودان الى اربع، وليبيا الى خمس امارات او اكثر، ولم يتطرق الى المملكة العربية السعودية لتجنب اغضاب قيادتها، حرصا على التحالف القوي بين البلدين في الوقت الراهن.

من الواضح ان الولايات المتحدة الامريكية التي ظلت حتى عقد العشرينات والثلاثينات من الشهر الماضي تعارض التقسيم وتفضل الفيدراليات على غرار نموذجها التوحيدي، باتت اكثر ميلا وتبنيا للسياسات التي اتبعتها بريطانيا اوائل القرن الماضي، اي تقسيم المنطقة العربية الى كيانات ضعيفة، واقامة دويلة او امارة فوق كل بئر نفط يتم اكتشافه في الجزيرة العربية.

***

العراق طوال القرن الماضي نحج في تكوين دولة قوية بهوية عربية مستقلة، تذوب في اطرها المذاهب والقوميات، وصمد في وجه كل مخططات التقسيم والتفتيت، ولكن تآمر دول عربية عليه مع الولايات المتحدة والغرب، من خلال نصب مصيدة الكويت وحصاره وتجويعه، واغراق الاسواق بملايين البراميل من النفط، لتخفيض الاسعار الى اقل من عشرة دولارات للبرميل، وبعد ذلك احتلاله وبذر بذور التقسيم الطائفي له، والآن جاء وقت الحصاد، اي اقامة دول ثلاث وفق هذا التقسيم، واحدة سنية واخرى شيعية، ثالثة كردية، تحت ذريعة فشل هذه المكونات الطائفية والعرقية في التعايش، والحل الافضل هو الطلاق النهائي.

من المؤسف ان البديل الامريكي لنظام الرئيس صدام حسين كان بديلا طائفيا برموز مذهبية ومشاركة عملاء جرى تجنيدهم من قبل المخابرات الامريكية والبريطانية ومعظمهم من طائفة واحدة استغلالا لاحقادهم على النظام البعثي السابق، وبعد ان نجحت الخطة الامريكية في اسقاط النظام وتكريس التقسيم الطائفي، جرى الاستغناء عن هؤلاء جميعا دون استثناء، ولم يعد لهم اي دور في “العراق الجديد”، اين الدكتور احمد الجلبي، واين الدكتور اياد علاوي، اين الشريف علي بن الحسين، واين عدنان الباجهجي، وحتى اين نوري المالكي الآن، والقائمة طويلة.

في سورية تكرر السيناريو نفسه، وعملية التجنيد نفسها، والرموز متشابهة، بل متطابقة، والنتيجة دمار وشلل كاملين، فلا النظام استطاع حسم الحرب لصالحه من خلال تبنيه الحلول الامنية، ولا المعارضة المسلحة نجحت في اسقاطه طوال اربعة اعوام من الدعم الخارجي بالمال والسلاح، وجاء البديل للاثنين، اي النظام والمعارضة، تنظيمات اسلامية متشددة، وابرزها “الدولة الاسلامية”، استغلت هذا الشلل وبنت دولها وجيوبها واماراتها على الارض السورية، وباتت تشكل التهديد الاكبر للمنطقة بأسرها.

فاذا اخذنا “الدولة الاسلامية” كمثال، فان تحالف ستين دولة ضدها بقيادة الولايات المتحدة، وشن اكثر من خمسة آلاف غارة جوية في اقل من عام على قواعدها وتجمعاتها، يؤكد مدى قوتها وخطورتها في الوقت نفسه، بعد ان اقامت دولة امر واقع، ونجحت في تكوين حاضنة شعبية لها في زمن قياسي قصير في اقل من عام.

***

لم يقل لنا الجنرال اوبيرنو ما ذا كان تقسيم العراق الذي يقترحه يشمل “الدولة الاسلامية” التي تقام حاليا على مساحة تشكل نصف العراق ونصف سورية، الى جانب الدول الكردية والسنية والشيعية الثلاث المقترحة، ولكننا لا نستبعد ان تكون ضمنيا في صلب مخططات بلاده التي اعترفت قبلها بدولة الطالبان، واوعزت لحلفائها في السعودية وباكستان ودولة الامارات العربية المتحدة بالاعتراف، بها وفتح سفارات لها في عواصمها.

مخطط التقسيم والتفتيت الجديد الذي تنخرط فيه حكومات عربية بكل قوة، ما كان له ان يمر في ظل وجود عراق قوي بهوية توحيدية عربية جامعة، عراق عابر للطوائف والاثنيات، يجسد التعايش عموده الفقري.

نشاهد مخاضا جديدا في العراق يتمثل في ثورة للشباب على الفساد والظلم وسياسات الاقصاء.. ثورة ضد ثقافة من جاءوا على ظهر المخطط الامريكي، ومهدوا للدبابات الامريكية طريق الاحتلال، ونأمل ان تستمر هذه الثورة وتنتصر، وتجرف كل عفن السنوات الـ 12 الماضية التي بدأت بالاحتلال الامريكي.

 

عبد الباري عطوان: أمريكا ورطت أردوغان في الرمال السورية الملتهبة

لندن|

حصلت الحكومة التركية رسميا على دعم حلف “الناتو” “السياسي” للحرب التي بدأت في شنها ضد قوات “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية، اثناء الاجتماع الطارىء لمندوبي الحلف في بروكسل، ولكن الرئيس رجب طيب اردوغان يريد ما هو اكثر من ذلك، اي “حماية عسكرية ايضا”، لان بلاده تتعرض لهجوم ومن حقها الدفاع عن نفسها، وربما لانه لا يدرك ان المستقبل محفوف بالمخاطر وهو محق في ذلك.

لا نعرف عن اي هجوم يتحدث الرئيس اردوغان، فهل هو ذلك الذي نفذته قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني على احد المخافر الحدودية، ام الآخر الذي اتهمت قوات “الدولة الاسلامية” بتنفيذه قبل ايام في مدينة سروج وادى الى سقوط 32 قتيلا معظمهم من الاكراد؟.

هجوم سروج الانتحاري الذي اكد السيد احمد داوود اوغلو رئيس الوزراء التركي ان منفذه ينتمي الى “الدولة الاسلامية” ما زال يتسم بالغموض، فحتى كتابة هذه المقالة لم تعلن هذه “الدولة” مسؤوليتها عن تنفيذه، كما انها لم تنف في الوقت نفسه اتهامات السيد اوغلو، وفضلت الالتزام بفضيلة الصمت على غير العادة، وهي التي تبادر دائما في تبني عمليات مقاتليها في اي مكان في العالم، مثلما حدث في الهجمات التي استهدفت مجلة “شارلي ابدو” الفرنسية، او الهجوم الاخير على المنتجع السياحي في مدينة سوسة وراح ضحيته 38 سائحا اوروبيا معظمهم من البريطانيين، او هجمات سيناء ضد الجيش المصري، والقائمة تطول.

***

طوال السنوات الاربع الماضية لم يكن هناك اي حديث عن هجمات تزعزع استقرار تركيا، بل امتداح لدعمها المعارضة السورية المسلحة، استضافتها لمؤتمرات الائتلاف الوطني السوري ذراعها السياسي والاعلامي، ومرور المقاتلين بالآلاف ومعهم المليارات من الدولارات عبر اراضيها، او بنوكها، الى الجماعات الاسلامية المعتدلة او المتشددة التي تقاتل لاسقاط النظام السوري، فما الذي تغير الآن، واصبحت تركيا تنحدر تدريجيا، بطريقة او باخرى، نحو النموذج السوري؟

الخطأ الاكبر الذي وقع فيه الرئيس اردوغان في نظرنا هو سوء تقديره لقوة خصومه، والنظام السوري وحلفائه، وقدرة هذا النظام على الصمود طوال هذه السنوات، مع التسليم بخسارته العديد من المناطق والمدن لصالح المعارضة المسلحة المدعومة من المثلث التركي القطري السعودي، وخاصة “الدولة الاسلامية”، وتحالف “جيش الفتح” الذي يضم “جبهة النصرة” و”احرار الشام.

اعلان تركيا الحرب على “الدولة الاسلامية” صراحة باعتبارها تشكل تهديدا ارهابيا على المنطقة واوروبا وامريكا سيطرح العديد من الاسئلة على الحكومة التركية حول استثنائها فصائل اسلامية لا تقل تشددا عن “الدولة الاسلامية” مثل “جبهة النصرة” واحرار الشام” الفرعان الرئيسيان لتنظيم “القاعدة” في سورية، رغم ان الرئيس اردوغان احتاط مسبقا لمثل هذا التساؤلات عندما قال على استحياء شديد ان حربه ضد الارهاب ستشمل كل الفصائل المتشددة الاخرى.

ثلاث سنوات والمبعوثون الامريكيون يترددون على انقرة لاقناع الرئيس اردوغان بالانضمام الى الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، ولكنه ظل يماطل ويفرض شروطا شبه تعجيزية من بينها ضرورة اقامة مناطق آمنة او حظر جوي داخل الاراضي السورية، وقيل ان واشنطن وافقت على بعض هذه المطالب، ومن بينها المنطقة العازلة شمال سورية بمحاذاة الحدود التركية بعمق خمسين كيلومترا وبطول 90 كيلومترا، لاعادة توطين 1.7 مليون لاجيء سوري يقيمون حاليا في تركيا، ولكن واشنطن تلتزم الصمت حيال هذه الاقوال،  وتؤكد انها لم توافق على مناطق حظر جوي، الامر الذي زاد الوضع غموضا.

الرئيس اردوغان يوافق “مكرها” على خوض حرب ضد “الدولة الاسلامية” على امل الحصول على دعم واشنطن وحلف “الناتو” في حربه ضد حزب العمال الكردستاني الانفصالي الذي يتصدر قائمة اعداء تركيا منذ اربعين عاما، والمصنف على قائمة الارهاب الامريكية، وكذلك وحدات حماية الشعب الكردي التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المتهم بأنه ذراع للحزب الاول، ويقاتل “الدولة الاسلامية” بشراسة في “عين العرب” و”الحسكة” و”تل ابيض” شمال سورية بدعم من الطائرات الامريكية.

تركيا باتت تجد نفسها وبعد 15 عاما من الامن والاستقرار تنزلق الى حرب على جبهتين في مواجهة عدوين شرسين “سنيين” اذا جاز التعبير، الاول كردي يمثل 18 مليون انسان في تركيا وحدها، والثاني اسلامي متشدد عابر للحدود والقارات (الدولة الاسلامية) والانتصار فيهما، او احداهما، قد يحتاج الى وقت طويل وسيكون مكلفا ماديا وبشريا، في وقت تتراجع نسبة النمو من سبعة الى ثلاثة في المئة، وتزداد ازمة تشكيل الحكومة الائتلافية تعقيدا.

واذا صحت التسريبات الامريكية التي نشرها موقع “وللا” الاسرائيلي القريب من اجهزة الاستخبارات التي تقول بأن الرئيس باراك اوباما يجري اتصالات مع روسيا بشأن الملف السوري تعكس ميلا امريكا للتوصل لحل للازمة يقوم على ابقاء الرئيس بشار الاسد في موقعه في اطار صفقة الاتفاق النووي مع ايران، لعدم تكرار اخطاء العراق وليبيا، فان تركيا قد تكون من ابرز المتضريين، وهي التي وضعت حكومتها كل بيضها في سلة رهان سقوط النظام السوري.

لا نستبعد ان تكون هذه التسريبات تنطوي على بعض الصحة بالنظر الى “بالون الاختبار” الذي اطلقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في حضور السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية في موسكو، وتحدث فيه عن تحالف رباعي تركي سعودي اردني سوري يتولى مسؤولية الحرب على “الدولة الاسلامية”، وهو الاقتراح الذي لم ترفضه اي من الدول المذكورة علنيا ورسميا.

***

لا نريد ان نستبق الاحداث، ونكون نذير شؤم، ونقول ان مخطط تفتيت المنطقة يقترب تدريجيا من تركيا، احد الدول الابرز التي شاركت فيه اعتقادا من قيادتها انها “محصنة” من تداعياته، بحكم تماهيها معه، ودعمها للجماعات المسلحة بشكل مباشر او من وراء ستار، ولكن من الواضح ان “فيروس هذا المخطط بدأ يصيب الجسم التركي بشكل او بأخر، ولا نستبعد ان ينتقل الى دول اخرى مثل المملكة العربية السعودية التي بدأت تنجرف تدريجيا الى المصيدة اليمنية بالطريقة نفسها التي انجرف اليها الرئيس العراقي الراحل صدام حسين في الكويت، مع فارق اساسي ان السعودية تتورط جويا، بينما تورط الرئيس العراقي بريا، لضعف سلاحه الجوي وانتهاء عمره الافتراضي، ولكن لا نستغرب ان تكون النتيجة متشابهة ان لم تكن متطابقة، من المستحيل حسم الحرب في اليمن جويا فقط.

تركيا ظلت طوال الاعوام الاربعة الماضية تتدخل في شؤون جيرانها لتغيير الانظمة عبر وكلائها، ولكنها اليوم تجد نفسها مضطرة لتغيير قواعد اللعبة، وتمسك زمام التدخل بنفسها، بما في ذلك ارسال قواتها البرية الى الاطراف السورية ان آجلا او عاجلا.

اقامة منطقة عازلة ربما كانت فكرة صائبة في بداية الازمة السورية لاستيعاب اللاجئين السوريين، والحكومة السورية المستقبلية معا”، ولكن الآن، وبعد ان قوي خطر “الدولة الاسلامية” والجماعات “الجهادية” الاخرى، وتراجعت اهمية القوى المعتدلة سياسيا وعسكريا، قد يترتب على قيام هذه المنطقة نتائج عكسية فمن يضمن ان لا تتسلل “الدولة الاسلامية” الى هذه المنطقة، وتحتمي بها من الغارات الجوية الامريكية، وتجد حاضنة سورية فيها على غرار الرقة والموصل ودير الزور.

تركيا تقف مجددا امام خيارات صعبة، ويحمل رئيسها اكثر من “بطيخة” من الوزن الثقيل ويبذل جهودا كبيرة لمنع سقوط احداها او معظمها، وهذه مهمة صعبة للغاية.

الرئيس اردوغان امام خيارات صعبة، ويغرق تدريجيا في الرمال السورية الملتهبة، فهو سيخوض حربا ضد عدويين ينخرطان في حرب دموية ضد بعضهما البعض، وقد يوحدهما، بدون اتفاق ضده، وهنا المفارقة الكبرى.

لا نستبعد ان يخسر الرئيس اردوغان وحكومته “الدولة الاسلامية”، ولكنه حتما لم يكسب الاكراد الى صفه.. انه وضع في قمة الصعوبة والتعقيد.

ظريف في الكويت وقطر لـ”طمأنة” الجيران الخليجيين

عبد الباري عطوان|

من يتابع الصحف ومحطات التلفزة الخليجية هذه الايام يجد ان معظمها يعكس قلقا واضحا من الاتفاق النووي الايرانين وتحذيرات من اخطاره، وهجمات تتواضع امامها نظيراتها في الاعلام المصري على كل من يتجرأ على طرح وجهة نظر مختلفة تجاهه، والحملة التي تعرض لها، وما زال، الكاتب محمد حسنين هيكل احد الامثلة في هذا المضمار.

القاسم المشترك في حملة التحريض والتخوين هذه هو غياب اي طرح حقيقي لمشروع متكامل، او نظرة مستقبلية لمواجهة هذا الخطر المفترض، سواء من قبل معظم الكتاب او المسؤولين على حد سواء، وهذا عائد في نظرنا الى حالة “الصدمة” التي تسود عواصم عربية تجاه لحظة الحقيقية، اي توقيع الاتفاق، حيث كانت معظم الرهانات، تعكس تمنيات، وليس قراءة علمية صحيحة، بانهيار المفاوضات في فيينا بين ايران والدول الست العظمى.

في الوقت الذي تعيش فيه الدبلوماسية العربية، والخليجية منها بالذات، حالة من “الشلل”، بفعل هذه الصدمة، تواصل الدبلوماسية الايرانية نجاحاتها في المقابل حتى في مرحلة ما بعد توقيع الاتفاق رغم الارهاق وضغط الاعصاب لاكثر من ثماني سنوات، ونشهد السيد محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني “مهندس″ هذا الاتفاق، يحط الرحال في الكويت، (الاحد) في اطار جولة عربية تشمل قطر والعراق ايضا الى جانب الكويت تحت عنوان “طمأنة” دول الجوار، ولا نعرف لماذا لم تشمل ابو ظبي التي كانت الاولى والاكثر ترحيبا بالاتفاق، فهل هذا الموقف مجاملة للرياض؟

***

الكل يريد “طمأنة” العرب المذعورين، ابتداء من الرئيس الامريكي باراك اوباما الذي لجأ الى الاتصالات الهاتفية مع تل ابيب والرياض، ومرورا باشتون كارتر وزير دفاعه الذي زار العاصمتين، اضاف الى عمان الاردنية، وانتهاء بالسيد ظريف نفسه الذي اقتصرت جولته على من تجاوب مع طلبه الزيارة من الحكومات الخليجية.

من المؤكد ان السيد ظريف سيحمل معه، الى جانب الابتسامات، غصن زيتون الى مضيفيه في الكويت وقطر، ورسالة تدعو الى الحوار والتعاون الاقليمي في مواجهة الخطر المشترك وهو “الارهاب” السلفي المتمثل في “الدولة الاسلامية”، ولكن لسان حاله الذي يعكس باطنه، يقول ان ايران انتصرت، وباتت حليفة، او بالاحرى غير عدوة لامريكا والغرب حليفكم السابق، ولم تعد في “محور الشر” وجرى الاعتراف بها كقوة عظمى، فماذا انتم فاعلون، وما هي خياراتكم؟

نحن نجيب على هذا السؤال، ودون ان يكلفنا احد بهذه المهمة، ونقول ان امام الدول العربية “القلقة” من الاتفاق النووي الايراني وتبعاته خيارين لا ثالث لهما:

الاول: فتح قنوات الحوار مع ايران من اجل التوصل الى حلول للقضايا الخلافية الاقليمية مثل الحربين في سورية واليمن، والانقسام الطائفي في العراق، والمنطقة باسرها، وكيفية مواجهة التنظيمات “الجهادية” المتشددة التي تهدد استقرار المنطقة، حسب اقوال الحكومات الاقليمية جميعا.

الثاني: مواجهة ايران عسكريا، وشن حروب ضدها، بالانابة او مباشرة.

الخيار الاول هو الاكثر عقلانية، لان الثاني مكلف جدا، والدول العربية، والخليجية منها خاصة، غير جاهزة له في الوقت الراهن على الاقل، فاذا كان القضاء على الحوثيين بدائيي التسليح والتدريب لم يتحقق بعد ثلاثة اشهر من القصف الجوي المتواصل المرفق بحصار بري وجوي وبحري، وتحشيد للقبائل والمقاتلين، فكيف سيكون الحال مع ايران التي تملك مخزونا من الصواريخ يزيد عن 200 الف صاروخ من مختلف الابعاد والاحجام وغواصات، واسطول بحري متقدم، ومئات من الزوارق الحربية الصغيرة والسريعة التي لا ترصدها الرادارات، وجيش يملك خبرة قتالية ضخمة، ويمكن ان تتحول الى زوارق انتحارية، ولا ننسى امتلاكها لمئات الكيلوغرامات من اليورانيوم عالي التخصيب يمكن ان تلوث مياه الخليج في دقائق معدودة.

اللافت ان بعض الدول الخليجية، والمملكة العربية السعودية، الشقيقة الكبرى، على وجه التحديد، اختارت دبلوماسية “الحرد” وفضلت ان تعبر عن غضبها تجاه الاتفاق النووي، ولم ترحب الا بفقرة واحدة منه وهي التي تنص على ابقاء الحظر العسكري لمدة خمس سنوات.

في الاحوال الطبيعية، وعندما يكون هناك حدث جلل ومقلق، تتداعى دول المنطقة المتضررة، او القلقة، الى اجتماع على مستوى القمة، او حتى على مستوى وزراء الخارجية للتداول فيما بينها للوصول الى موقف مشترك تجاه هذا الحدث، ووضع الخطط لمواجهته، او تقليص اخطاره، سلما او حربا، ولكن هذا لم يحدث، ونحن نتحدث هنا صراحة عن مجلس التعاون الخليجي، فهل يعود ذلك الى حالة من اللامبالاة، ام الانقسام في مواقف الدول الست؟

الغريب ان بعض المحللين الخليجيين لبسوا بزات الجنرالات وباتوا يتحدثون بلغة اقرب الى لغة العميد احمد عسيري الناطق باسم “عاصفة الحزم” ويفرضون شروطا واملاءات على ايران، مثل ان عليها فعل كذا في الملف السوري، وذاك في الحرب اليمنية، وثالث في العراق، وهذا اسلوب ينطوي على “حالة انكار” غير مسبوقة لموازين القوى في المنطقة، وانقلاب المعادلات السياسية والعسكرية بعد الاتفاق النووي الامريكي.

***

لنكن صرحاء، وليتحملنا البعض، الذي يصاب بحالة من الغضب تجاه اي رأي آخر مختلف، بأنه لا يوجد اي مشروع عربي سياسي او عسكري في مواجهة القوة الايرانية المتنامية في الوقت الراهن، او السنوات الخمس القادمة، ان لم يكن اكثر، فاذا اخذنا المملكة العربية السعودية التي من المفترض ان تكون الاكثر تأهيلا لقيادة هذا المشروع، فاننا نجدها على خلاف خفي مع مصر، وفي حرب مع سورية والعراق، واخرى في اليمن، وعلاقات باردة مع معظم دول المغرب الكبير، ونحن لا نتحدث هنا عن الخلافات البينية الخليجية، وما زيارة السيد ظريف الى دولتين خليجيتين (الكويت وقطر) وعلاقة بلاده القوية مع ثالثة (سلطنة عمان) الا دليل على ما نقول.

الجامعة العربية “مجمدة” ولم تعد تصلح حتى كمظلة لاي لقاء على مستوى المندوبين، ومؤسسة القمة العربية فقدت اهميتها، والمشروع العربي الوحيد الذي يمكن رصده هذه الايام هو “التناطح” الاعلامي، والتنافس على تشييد امبراطوريات اعلامية تخاطب متلقين وهميين، انصرفوا الى الاعلام الجديد المجاني الذي لا يكلف المليارات، ولا يحتاج الى النجوم والنجمات، سافرات او محجبات.

الحكومات العربية تتصرف مثل شخص “فاقد الوعي” من شدة الضربات فوق رأسه، يعيش حالة من الذهول والتوهان في الوقت نفسه، ومن المؤلم ان هذه الحالة قد تطول لاشهر او حتى سنوات.

اليوم يزور ظريف عواصم دول في المنطقة، ويوزع ابتساماته وظرفه على مضيفيه وعدسات تلفزتهم، وغدا ربما سيلحقه الرئيس روحاني، فالعجلة الدبلوماسية الايرانية لا تتوقف عن الدوران، ونسأل اين العرب، اين دبلوماسيتهم، اين قادتهم ووزراء خارجيتهم؟

عبد الباري عطوان: أمريكا تكافئ تركيا بمنطقة عازلة شمال سوريا

لندن|

بعد مرور اربعة ايام على الهجوم الانتحاري في سوروتشي الذي شنه مواطن كردي تركي، قيل انه عضو في “الدولة الاسلامية”، وتدرب في قواعدها في العراق، وهو الانفجار الذي ادى الى مقتل 30 شخصا معظمهم من الاكراد، كانوا يشاركون في مهرجان لجمع تبرعات لاعادة اعمار مدينة عين العرب (كوباني) السورية ذات الاغلبية الكردية، نقول بعد مرور اربعة ايام على هذا التفجير الذي هز تركيا وحكومتها، نفذت الطائرات الحربية التركية هجوما بالصواريخ ضد مواقع لـ”الدولة الاسلامية” داخل الاراضي السورية للمرة الاولى منذ بدء الازمة السورية، وصعود نجم الجماعات “الجهادية”، فلماذا هذا الهجوم الآن، وهل غيرت تركيا سياستها “شبه المتحفظة” تجاه الازمة السورية؟

الاجابة على هذه التساؤلات المشروعة تبلورت من خلال الاتصال الهاتفي قبل يومين بين الرئيس الامريكي باراك اوباما ونظيره التركي رجب طيب اردوغان، الذي جاء تتويجا لاتفاق تركي امريكي، جرى التفاوض عليه بين الجنرال جو الن، مبعوث اوباما الى سورية والعراق، والقيادة التركية، تنص ابرز بنوده على انضمام تركيا بقوة في الحرب ضد “الدولة الاسلامية” التي تقودها الولايات المتحدة على رأس تحالف يضم 60 دولة.

تركيا ستسمح بمقتضى هذا الاتفاق للطيران الحربي الامريكي باستخدام قاعدة انجيرليك الجوية القريبة من الحدود الشمالية العراقية والسورية في ضرب قواعد “الدولة الاسلامية”، وربما دمشق لاحقا، ومقابل ذلك ستلبي امريكا طلباتها في اقامة منطقة عازلة وحظر جوي بطول 90 كيلومترا تمتد بين مدينتي مارع وجرابلس السوريتين الشماليتين قرب الحدود التركية وبعمق 50 كيلومترا، اي بمساحة اجمالية مقدارها 4500 كيلومتر مربع، اي نصف مساحة لبنان تقريبا (10453 كليومتر مربع).

***

هذا الاتفاق، والالتزامات التركية التي تترتب عليه، ربما يكون الاخطر في تاريخ تركيا ومنذ الغاء ارث الخلافة العثمانية من قبل كمال اتاتورك قبل مئة عام تقريبا، وتأسيس تركيا “الحديثة” عام 1923.

نشرح اكثر ونقول ان الخطورة تكمن في التوقيت اولا، والنتائج التي يمكن ان تترتب عليه، اي الاتفاق، امنيا وسياسيا ثانيا.

هذا الاتفاق يأتي في وقت تقف فيه تركيا على حافة “فتنة” طائفية وعرقية، وتفقد فيه حكومة حزب العدالة والتنمية زمام القيادة تدريجيا بسبب فشلها في الحصول على الاغلبية في الانتخابات البرلمانية في الشهر الماضي لاول مرة منذ 13 عاما هيمنت فيها على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والرئاسية والبروتوكولية ايضا.

حكومة رجب طيب اردوغان “هادنت”، او بالاحرى حيدت،  “الدولة الاسلامية” طوال السنوات الاربع الماضية، ودعمتها بطرق غير مباشرة، مثل تسهيل مرور السلاح والمتطوعين اليها، وشراء صادراتها النفطية، وعدم الانخراط في اي حرب ضدها.

السيد احمد داوود اوغلو وزير الخارجية التركي السابق، ورئيس الوزراء الحالي، عبر عن هذه الهدنة “الايجابية” في مقابلة اجريت معه يوم 7 اب (اغسطس) عام 2014 وننقل هنا عنه حرفيا “ان “الدولة الاسلامية” هي مجموعة من السنة الغاضبين والمضطهدين”، وقال، بعد ان رفض ان يطلق عليها صفة الارهاب، وحمل السيد نوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق مسؤولية صعودها، قال “ان الدافع الحقيقي الذي يدفع التركمان الذين يشكلون اغلبية في صفوفها، والاكراد والعرب السنة، هو حالة الغضب والاضطهاد والتهميش والاهانات التي يتعرضون لها” في العراق على يد المالكي وحكومته”.

انضمام تركيا الى الحرب ضد “الدولة الاسلامية” وليس ضد الجماعات الاسلامية الجهادية الاخرى مثل “النصرة” و”احرار الشام”، يشكل تحولا استراتيجيا مهما في هذه الحرب لوجود اكثر من 900 كيلو من الحدود التركية السورية، وخاصة تلك المقابلة لعاصمة “الدولة الاسلامية” في الرقة، ومدينة الموصل، العاصمة العملياتية، والاتراك يملكون خبرة غير مسبوقة في حرب العصابات، خاضها ويخوضها الجيش التركي لاكثر من ثلاثين عاما ضد قوات حزب العمال الكردستاني ذي النزعة الانفصالية، وهي خبرة غير موجودة لدى معظم جيوش المنطقة، ان لم يكن كلها، وربما لهذا السبب مارست امريكا ضعوطا كبيرة على اردوغان للانضمام الى هذه الحرب ضد “الدولة الاسلامية”، للاستفادة من هذه الخبرات.

صحيح ان تركيا “هادنت” “الدولة الاسلامية”، وادلى داوود اوغلو بتصريحاته تلك، التي ذكرناها آنفا، عندما كانت “الدولة” تحتجز 49 دبلوماسيا تركيا، (جرى الافراج عنهم في ايلول (سبتمبر) 2014)، وبدأت تتشدد ضد هذه “الدولة” لاحقا، وسمحت لقوات بيشمرغة كردية بالمرور عبر اراضيها للمشاركة في الحرب في “كوباني”، ولكن الصحيح ايضا ان السلطات التركية كانت تخشى من اخطار “الدولة الاسلامية” على عمقها وامنها واستقرار بلادها بالتالي، فحسب احصاءات المخابرات التركية هناك اكثر من 3000 تركي يتعاطفون مع هذه “الدولة”، او مرتبطون بها ايديولوجيا، يمثلون “خلايا نائمة” يمكن ان تتفعل في اي لحظة، وهي مدربة بشكل جيد، وتملك السلاح، واحتفلت بعض وسائط التواصل الاجتماعي التركية، بعملية “سوروتشي” الانتحارية لان القتلى من الاكراد، ولانهم ضد “الدولة” ويريدون اعادة اعمار كوباني، ولانها اي العملية كانت جزءا من “حرب مقدسة” ضد الكفار، حسب اقوالهم.

الرئيس اردوغان نفسه يفكر بطريقة “سنية” ونسبت اليه تصريحات ادلى بها بعد الهجوم على مدينة ريحاني التركية القريبة من الحدود السورية بسيارة مفخخة، ومقتل 52 شخصا في ايار (مايو) 2013 قال فيها “ان هؤلاء سنة وهم منا”، ويرى كثير من المراقبين ان تدخله في سورية يعود الى معتقداته هذه.

ربما يؤدي انضمام تركيا الى التحالف الستيني الدولي ضد “الدولة الاسلامية” الى تهدئة الاكراد، ووقف بعض هجماتهم الدموية، ولكنه قد يؤدي الى اثارة غضب بعض “السنة” في تركيا، ويصّعد من هجمات انصار “الدولة الاسلامية” لزعزعة الاستقرار التركي، وصناعة السياحة على وجه التحديد التي تدر على البلاد 30 مليار دولار سنويا، وهناك من يعتقد، ونحن لا نستبعد ذلك، ان الهجوم على المنتجع السياحي التونسي في سوسة وقتل 38 سائحا اجنبيا، قد يكون رسالة الى الرئيس اردوغان من تنظيم “الدولة” التي اعلنت مسؤوليتها عن تنفيذ هذا الهجوم.

***

تظل هناك نقطة على درجة كبيرة من الاهمية تتعلق بموقف السلطات السورية تجاه اقامة منطقة حظر جوي في عمق اراضيها، وهي التي اكدت مرارا رفضها لمثل هذه الخطوة، لمعرفتها بانها قد تكون مقدمة لاسقاط النظام على غرار نظيراتها في العراق.

التزام السلطات السورية “الصمت”، وربما يكون عائدا الى تلقيها تطمينات امريكية واوروبية بحدوث تغيير جذري في الاولويات الغربية، والتخلي عن هدف اسقاط النظام السوري ورئيسه، وانعكست هذه في تصريحات فيليب هاموند وزير الخارجية البريطاني الذي اكد فيها ان الاولوية الاهم حاليا هي هزيمة هذه “الدولة”، مضافا الى ذلك دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتشكيل تحالف رباعي يضم سورية والسعودية وتركيا والاردن للحرب على “ارهاب الدولة الاسلامية” والقضاء على خطرها الذي يهدد الجميع في المنطقة وخارجها، حسب اقواله.

كل شيء جائز بعد توقيع الاتفاق النووي الايراني فمعادلات سياسية وعسكرية كثيرة تتغير في المنطقة حاليا، وبسرعة فائقة، فقواعد اللعبة تتغير، وكذلك ادوار اللاعبين ايضا، ولون قمصانهم، والاتراك من بينهم.

السعودية متورطة في اليمن، وسورية غارقة في حروب داخلية، والعراق مقسم طائفيا وجغرافيا، ومصر تخوض معارك دموية داخلية (في سيناء) وشوارع القاهرة، وليبيا دولة فاشلة، فلماذا تظل تركيا مستقرة ومزدهرة؟

الحكومة التركية تقدم على مغامرة خطيرة جدا حاولت كثيرا تجنبها، واي نتائج غير مرضية، او حتى كارثية، تتحمل المسؤولية الاكبر عنها حكومتها وصاحب القرار الاول فيها، لانها لم تقرأ المخطط الامريكي في المنطقة قراءة صحيحة، واعتقدت انها “محصنة” من تبعاته التي حذرها منها الكثيرون، ونحن منهم.

مرة اخرى نقول ان تركيا تقاد الى هوة عميقة بلا قاع وهي مفتوحة الاعين، لاعادتها الى الجحيم الذي يريده لها الغرب، اي الدولة المُدينة غير المستقرة، فكيف تكون هي المحظور دخولها الاتحاد الاوروبي واحدة من اهم اقوى عشرين دولة في العالم اقتصاديا، بينما جارتها اليونان عضو هذا الاتحاد تعاني الافلاس الكامل؟

عبد الباري عطوان: اتفاق “ليلة القدر” الايراني الامريكي يقلب “الشرق”

لندن|

ثلاثة ظواهر هامشية، ليس لها علاقة مباشرة بالبنود والتنازلات، يمكن ان تلخص التقويم الحقيقي للاتفاق النووي الايراني مع الدول الست العظمى:

الاولى: ابتسامة محمد جواد ظريف وزير الخارجية الايراني العريضة جدا التي تنطوي على خبث ودهاء عظيمين التي ارتسمت على محياه اثناء توقيع الاتفاق.

الثانية: حالة الهستيريا البادية على وجه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي وتصريحاته التي انعكست في غضبه، ووصفه الاتفاق بانه خطأ تاريخي.

الثالثة: الصدمة التي سادت معظم العواصم العربية، والحكومات الحليفة جدا للولايات المتحدة الامريكية، وخاصة في الدول الخليجية، فالصمت الذي يشبه “صمت القبور” هو احد علامات هذه الصدمة، والارتباك الذي يترتب عليها سياسيا واعلاميا.

***

لنترك التفاصيل التقنية جانبا التي احتوتها مئة صفحة، هي مجموع صفحات الاتفاق، غير الملاحق والهوامش، ودون التقليل من اهميتها في الوقت نفسه، ودعونا نركز على مجموعة من النقاط الرئيسية التي يمكن استنباطها من هذا الاتفاق:

اولا: الاتفاق لم يمنع، بل اجل، الطموحات الايرانية في امتلاك اسلحة نووية، ويعمل على “ادارتها”، مثلما يشكل محاولة لكسب الوقت من الطرفين، فقد احتفظت ايران بالحق في التخصيب، والحق في الاحتفاظ بأكثر من عشرين الف جهاز طرد مركزي، وجميع مفاعلاتها النووية، الشرعية، وغير الشرعية، السلمية والعسكرية، كاملة مع بعض التعديلات في بعضها.

ثانيا: ايران ما زالت، وستظل تملك العقول والخبرات التي تؤهلها لاستئناف برامجها النووية بعد عشر سنوات، وهي عمر الاتفاق، واستطاعت ان تفرض موافقتها المشروطة على اي اعمال تفتيش لمنشآتها العسكرية، ومنع اي لقاءات مع علمائها من قبل المفتشين، لعدم تكرار اخطاء تجربة العراق، مع الملاحظة ان العراق كان تحت الاحتلال نظريا وعمليا في حينها.

ثالثا: ايران ستظل دائما، وطوال فترة العشر سنوات من مدة الاتفاق على بعد 12 شهرا من انتاج اسلحة نووية، وربما اقل، وجميع القيود عليها سترفع بعد انتهاء المدة، وطالما ان العلماء موجودون واحياء يرزقون، فكل الاحتمالات واردة.

رابعا: ايران ستنتقل من خانة الدول “المارقة” و”الارهابية” و”الشريرة” الى خانة الدول الطبيعية، وربما الحليفة ايضا لاوروبا والغرب.

خامسا: ستحصل ايران على 120 مليار دولار كانت مجمدة في غضون اشهر معدودة، ورفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها، والسماح لها بالتصدير الى الغرب والشرق معا، مما يعني تحولها الى قوة اقتصادية اقليمية كبرى، وخلق مئات الآلاف من الوظائف وحركة تجارية بلا قيود، فالنفط وعوائده، يشكل اقل من ثلاثة وثلاثين في المئة من الدخل القومي الايراني، بينما يشكل 90 بالمئة من دخول دول الخليج، كمثال.

سادسا: المعسكر الداعم لايران، وخاصة روسيا والصين ودول “البريكس خرج منتصرا من هذا الاتفاق، وكذلك الدول والجماعات التي تحظى بالدعم الايراني ايضا، لان ايران ستكون اقوى سياسيا واقتصاديا.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن الاسباب التي دفعت ادارة الرئيس باراك اوباما للمغامرة بتوقيع مثل هذا الاتفاق الذي يشكل تراجعا عن سياساتها السابقة في تدمير البرامج النووية الايرانية، وحشد حاملات الطائرات في الخليج، وارسال الغواصات النووية، والمارينز؟

يمكن تلخيص الاجابة في النقاط التالية، وباختصار شديد للغاية:

اولا: البديل عن هذا الاتفاق هو الحرب، والولايات المتحدة لا تريد هذه الحرب، وتحمل تبعاتها بالتالي، وباتت تخطط للانسحاب التدريجي من منطقة الشرق الاوسط.

ثانيا: ادارة الرئيس اوباما تعبت من دعم انظمة عربية لا تستطيع حماية نفسها، والدفاع عن مصالحها، وخوض الحروب نيابة عنها، وباتت تضع مصالحها وارواح جنودها فوق كل اعتبار، والبحث عن اماكن اخرى تشكل ساحة مستقبلية لهذه المصالح مثل جنوب شرق اسيا وافريقيا، بعد ان اكتفت ذاتيا من النفط.

ثالثا: الرئيس اوباما حصل على جائزة نوبل للسلام في بداية عهده ويريد ان يبرر حصوله على هذه الجائزة، ودخول التاريخ كصانع سلام، ولذلك انتهج نهجا تصالحيا مع كوبا، وانهى الحصار معها، وها هو يتصالح مع ايران ويمهد لعودة العلاقات معها، اسوة بكوبا، ولكن فشله في اقامة دولة فلسطينية يظل نقطة سوداء في تاريخة.

رابعا: حرب امريكا “الحقيقة” في الشرق الاوسط اصبحت ضد “الدولة الاسلامية” التي اظهرت قدرات كبيرة على التوسع والتمدد، وليس ايران، وتتبلور قناعة لدى صانع القرار الامريكي بان الانتصار في هذه الحرب لا يمكن ان يتم دون التعاون مع ايران وحلفائها.

بالنظر الى حسابات الربح والخسارة يمكن القول ان هناك دولا عربية يمكن ان تخرج خاسرة من هذا الاتفاق، وهي تتلخص في اربع دول خليجية، هي المملكة العربية السعودية والكويت والبحرين، و”نصف” الامارات، اما الدول العربية الرابحة، او بالاحرى عدم الخاسرة، فهي تنقسم الى معسكرين:

الاول: سلطنة عُمان وامارة دبي، فانهاء الحظر الاقتصادي سيفيد الطرفين، فالاولى (عُمان) اتخذت موقفا حياديا من الازمة الايرانية، واستضافت المفاوضات السرية “النواة” التي ادت الى الاتفاق، مما سيعزز علاقاتها مع ايران والغرب معا، سياسيا وعسكريا واقتصاديا، اما الثانية، (دبي) فقد ظلت الشريان الاقتصادي الحيوي الخارجي لايران طوال السنوات الماضية من الحصار، تماما مثلما كان عليه الحال اثناء الحرب العراقية الايرانية، والافراج عن 120 مليار دولار من ودائع ايران المجمدة سينعكس رواجا تجاريا واستثماريا وعقاريا في دبي، في وقت تنكمش فيه استثمارات خليجية، بسبب انخفاض عوائد النفط الى النصف.

الثاني: الدول التي تستظل بالمظلة الايرانية مثل سوريا والعراق، و”حزب الله” في لبنان، والتحالف “الصالحي الحوثي” في اليمن، علاوة على دول اخرى نأت بنفسها عن العداء لايران، مثل الجزائر ومصر، وبدرجة اقل تونس وموريتانيا.

***

بعد كل ما تقدم يمكن القول انه من حق السيد ظريف ان يبتسم، ومن حق نتنياهو ان يغضب، ومن حق دول خليجية ان تشعر بالصدمة، فاتفاق “ليلة القدر” كان نجاحا دبلوماسيا وسياسيا ايرانيا ضخما، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، حتى الآن على الاقل، والله وحده الذي يعلم بالغيب، وما يحمله المستقبل من تطورات، فايران لم تقل مطلقا بأنها تريد انتاج اسلحة نووية، واستخدمت طموحاتها النووية كورقة لكسر الحصار، ونجحت نجاحا كبيرا في نهاية المطاف.

ان يطلق هذا الاتفاق سباق تسلح نووي في المنطقة، فلم لا، فلعل هذا السباق يعيد للعرب هيبتهم التي افتقدوها طوال السنوات الثلاثين الماضية، ويقزم القدرات العسكرية النووية والتقليدية الاسرائيلية معا، مما يعني نهاية الغطرسة الاسرائيلية وانكماش اسرائيل نفسها اقليميا ودوليا.

ايران التي صمدت 12 عاما على مائدة المفاوضات  واظهرت صبرا وضبط اعصاب غير مسبوقين، تقدم لنا كعرب، وللعالم بأسره، درسا في الصلابة وادارة التفاوض، وهو صمود مبني على القوة، ودولة المؤسسات الحقيقية، ومراكز الابحاث العلمية وليس الشكلية القائمة على النصب، والمنظرة، ونهب المال العام، والارتباط بمصالح خارجية، والانتخاب المباشر، وليس السياسات المبنية على التسول، والنزق، والديكتاتورية، وغياب المؤسسات، وتغييب العدالة الاجتماعية، وسيادة الفساد، والاستعانة بالاجنبي.

لعل هذا الاتفاق يكون بمثابة “الصحوة” لاهل الكهف، والنهوض من سباتهم العميق، والنظر الى احوالهم، والعالم، نظرة مختلفة، بعيدا عن السباب والشتائم ودس الرأس في التراب، والتحريض الطائفي والعجرفة الكاذبة.

فليحتفل الايرانيون باتفاقهم ولا عزاء للضعفاء الذين وضعوا كل بيضهم في سلة امريكا، ولم يعتمدوا على انفسهم مطلقا، وباتوا يكررون الاخطاء والسياسات نفسها، ويتطلعون استبدال اسرائيل بامريكا كحاضنة دفاعية توفر الحماية للمذعورين من ايران وغيرها.

عبد الباري عطوان: التدريب الأمريكي وفضيحة الـ60 مقاتلاً

لندن|

اقرار وزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر امام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، بأن برنامج تدريب مقاتلي المعارضة السورية “المعتدلة”، انطلق ببطء شديد، بحيث لم يشمل سوى ستين شخصا فقط، يمثل فضيحة اخرى للاستراتيجية الامريكية في العراق وسورية.

سبعة آلاف سوري تقدموا للانضمام الى برنامج التدريب المخصص لتكوين جيش يتولى محاربة “الدولة الاسلامية”، ولم يتم اختيار الا ستون شخصا فقط، يصلحون لهذه المهمة، اما الباقون فكانوا يبحثون عن وظيفة، ومصدر رزق لا اكثر ولا اقل، ولا يمكن الاعتماد عليهم، او الثقة فيهم، لانهم قد ينضمون الى “الدولة” التي جرى تجنيدهم لمحاربتها، او في افضل الاحوال لا يملكون “ارادة القتال”، مثل الآلاف من جنود الجيش العراقي الذين رموا سلاحهم وهربوا، قبل اطلاق رصاصة واحدة تجاه قوات “الدولة” الزاحفة نحو الموصل، وبعدها الرمادي.

***

ادارة الرئيس باراك اوباما تأمل في تدريب خمسة آلاف متطوع سنويا في اطار هذا البرنامج، ولكن الامنيات شيء، والواقع شيء آخر مختلف تماما، وتجربة الجيش السوري الحر شاهد عيان في هذا الصدد، فقد تبددت معظم الرهانات على هذا الجيش رغم المليارات التي ضختها دول خليجية على تدريبه وتسليحه، وانكمش هذا الجيش الى وحدات قليلة لاسباب عديدة، من بينها عدم الثقة بالامريكيين، وعدم الرغبة في التحول الى “قوات صحوات” سورية تحارب جماعات اسلامية متشددة، وخاصة “الدولة الاسلامية” وجبهة “النصرة” و”احرار الشام”، واذا كانت بعض الوحدات شذت عن هذه القاعدة، فهي محدودة للغاية.

الاستراتيجية الامريكية في سورية والعراق تتسم بالتخبط، وتنتقل من فشل الى آخر، لانها غير واضحة المعالم، وتتغير اولوياتها بشكل متسارع، فتارة تكون الاولوية لاطاحة النظام بالقوة، وتارة اخرى محاربة “الدولة الاسلامية” بهدف اضعافها تمهيدا للقضاء عليها وتارة ثالثة لتأكيد على الحل السياسي كمخرج وحيد للازمة، ومن الواضح انها تتعثر في الحالات الثلاث، فالنظام السوري ما زال صامدا بعد اربع سنوات من بدء انطلاق الحرب التي تستهدفه بدعم من الولايات المتحدة ودول خليجية (قطر والسعودية) علاوة، على تركيا، و”الدولة الاسلامية” تزداد قوة وتمددا كدولة “امر واقع″ في بلدين، هما سورية والعراق كمرحلة اولى، ونقطة انطلاق لاقتطاع اراض جديدة من دول الجوار، كمرحلة ثانية وثالثة ورابعة اذا استمر الوضع على حاله.

من الواضح ان الولايات المتحدة بدأت “تغسل” يديها تدريجيا من العرب، سنة وشيعة، وتضع كل بيضها في سلة الاكراد، تقدم لهم السلاح والتدريب، الامر بدأ ينعكس على شكل “انتصارات” على الارض ضد “الدولة الاسلامية” في المناطق الشمالية الشرقية السورية، بما في ذلك الاستيلاء على مدينة تل ابيض القريبة من الحدود التركية، وشبه متصلة جغرافيا مع منطقة الحكم الذاتي مع كردستان العراق.

ارادة القتال لدى الاكراد تجاه محاربة “الدولة الاسلامية” قوية ومضمونة، بسبب طموحاتهم القومية في اقامة دولة كردية في شمال سورية والعراق وجنوب تركيا، وهي المخاوف التي قد تؤدي الى حدوث تقارب بين الدول الاقليمية الاربع، اي تركيا والعراق وسورية وايران، ووضع خلافاتها جانبا في المستقبل المنظور، ومن هنا يمكن فهم المبادرة الروسية التي طرحها الرئيس فلاديمير بوتين، وتطالب بتكوين تحالف رباعي سعودي تركي سوري اردني لمواجهة خطر “الدولة الاسلامية”، ومن هنا ايضا يمكن النظر الى الحشودات العسكرية التركية شمال سورية، وتصريحات الرئيس رجب طيب اردوغان التي اكد فيها ان بلاده لا يمكن ان تسمح بقيام دولة كردية تمتد على طول الحدود الجنوبية لبلاده، وسط صمت رسمي سوري، وهو صمت المؤيد هذه المرة، على عكس مرات سابقة.

السيد وليد المعلم وزير خارجية سورية الذي كان حاضرا عندما طرح الرئيس بوتين مبادرته هذه، وصف قيام هذا التحالف الرباعي بانه “معجزة” في زمن انعدمت فيه المعجزات، ولكنه لم يبد اي معارضة لهذه المبادرة من “حيث المبدأ” على الاقل، كما اننا لم نسمع اي رفض صريح لها من قبل المملكة العربية السعودية والاردن وتركيا، حتى كتابة هذه السطور.

***

التخبط الامريكي سيستمر، وربما يكون متعمدا، والهدف منه كسب الوقت، انتظارا لما يمكن ان تسفر عنه مفاوضات ربع الساعة الاخيرة في فيينا، بشأن الاتفاق النووي بين ايران والدول الست العظمى سلبا او ايجابا، وبعدها لكل حادث حديث.

الرهانات الامريكية في المنطقة العربية كانت في معظمها خاسرة وتنتهي بفشل باهظ التكاليف، فرهانها على المعارضة العراقية ربما نجح في اطاحة الرئيس العراقي صدام حسين، ولكنه انتج دولة فاشلة شكلت الحاضنة لنمو “الدولة الاسلامية”، والشيء نفسه تكرر في ليبيا واليمن، ولا نعتقد ان الحال سيكون مختلفا في سورية، وخاصة الشق المتعلق منه بالرهان على الاكراد لمحاربة “الدولة الاسلامية”، لما يمكن ان يترتب عليه من خلط للاوراق وقلب للتحالفات وكوارث للاكراد انفسهم الذين قبلوا بالدور القديم الجديد، والثقة بالوعود الامريكية التي انتهت في الماضي بخيبة الامل، والمجازر الدموية، وليس هناك ما يشير بأن الحاضر قد يكون افضل من الماضي.

المنطقة مقبلة على مفاجآت جديدة وانقلاب في المعادلات والتحالفات، وتراجع السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية الفاضح عن “غزله” “الموثق” تجاه السوريين، وعودته الى التشدد مجددا لان هناك من “قرص” اذنه بعد تصريحاته التي اكد فيها رغبته للقاء السيد المعلم في اي مكان وزمان يحدده الاخير، تضيف تخبطا عربيا الى التخبط الامريكي، ونحن في كل الاحوال في انتظار “معجزة” الرئيس بوتين، وخطوة اردوغان القادمة التي ستتلو حشوداته العسكرية شمال سورية، وهي خطوة ستحدد ملامح الخريطة الجديدة للمنطقة وتحالفاتها.

لا نملك وغيرنا الا الانتظار، ففي رمضان الماضي كان العدوان الاسرائيلي على غزة، واعلان السيد ابو بكر البغدادي دولة الخلافة من الجامع النوري الكبير في الموصل، ترى ما هي مفاجآت الايام العشرة الاخيرة من رمضان، او عيد الفطر السعيد؟ وهل سيكون سعيدا فعلا؟