أرشيف الوسم : عبد الباري عطوان

عبد الباري عطوان: دمشق تتفرج باستمتاع على “حرب القوائم” الدائرة بين معارضيها

لندن|

تتفاقم الخلافات بين فصائل المعارضة السورية حول تركيبة الوفد المفاوض بسبب تعدد المرجعيات الدولية والاقليمية التي تقف خلفها، الامر الذي لا يرجح تأجيل انعقاد الجلسة الاولى من الحوار المقررة في جنيف الاثنين المقبل فقط، وانما نسف هذا الحوار قبل ان يبدأ، في تكرار لصيغة جنيف الاولى.

الحكومة السورية لم تجد اي صعوبة في تشكيل وفدها، وهذا متوقع، وكان لافتا اختيارها السيد بشار الجعفري رئيسا للوفد، الذي يعتبر احد الصقور، وتكليف السيد فيصل مقداد نائب وزير الخارجية، وهو من “الحمائم”، مشرفا عاما، الامر الذي يعتبر تخفيضا لمستوى الوفد، بالمقارنة مع الجولة الثانية من مفاوضات مؤتمر جنيف التي رأس الوفد السوري فيها السيد وليد المعلم وزير الخارجية، مما يعكس تراجع حجم آمالها واهتماماتها، وربما نواياها تجاه هذه الجولة من المفاوضات التي جاءت تطبيقا لخريطة طريق اعتمدت بقرار مجلس الامن الدولي رقم 2254.

***

“الحكومة الموازية” التي يرأسها السيد رياض حجاب رئيس الوزراء المنشق، وتدعمها، وتستضيف مقرها، المملكة العربية السعودية في عاصمتها الرياض، اعلنت عن وفدها برئاسة العسكري اسعد الزعبي، واختارت عسكري آخر هو محمد علوش، وريث الراحل زهران علوش، زعيم “جيش الاسلام”، كبيرا للمفاوضين، وكان اول قرار اتخذته هذه “الحكومة” التهديد بمقاطعة المفاوضات في حالة اضافة اي عضو الى الوفد المفاوض، فأما قبوله كما هو، والاعتراف بشرعيته، او لا مشاركة، وهذا الموقف يتعارض كليا في نظر الكثيرين، مع صيغ التعايش الديمقراطي التي من المفترض انها من ابرز مبادىء المعارضة وقيمها.

هذا الموقف المتصلب دفع ستيفان ديمستورا المبعوث الاممي المسؤول عن الملف السوري الى الخروج عن طوره الدبلوماسي، واتهام السعودية بعرقلة مفاوضات جنيف، وروسيا الى الرد بإقتراح مشاركة وفدين يمثلان المعارضة السورية، واحد يمثل معارضة الرياض، والثاني المعارضات الاخرى، التي ابعدت او قاطعت مؤتمر الرياض، وهناك اقتراح بتكليف المبعوث الدولي ديمستورا بتشكيل وفد مناصفة برئاسة مشتركة، كمخرج من هذه الازمة، انطلاقا من مقولة “ان آخر العلاج الكي”.

وفد الرياض المفاوض يعترض، وبدعم من تركيا وقطر، على مشاركة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الذي يرأسه السيد صالح مسلم، بحجة انه مقرب من النظام، ويضع “فيتو” على اي وجود للسيد قدري جميل من معارضة الداخل للسبب نفسه ولقربه من موسكو، ولا يريد هيثم مناع، رئيس تيار “قمح”، رغم انه دعي لمؤتمر الرياض واختار المقاطعة لاعتراضه على مشاركة منظمات ارهابية نسفك دماء الشعب السوري، اي انه (مؤتمر الرياض) يعتبر نفسه هو الذي يقرر من هو معارض شرعي، ومن هو غير شرعي، ومن يجب ان يشارك في مفاوضات جنيف او يستبعد منها.

الروس ومعهم الحكومة السورية والسيد مناع يقولون بدورهم انهم لا يقبلون وجود “مجرمي حرب” مثل السيد محمد علوش، في اي وفد مفاوض، لان جيش الاسلام الذي ينتمي اليه مارس اعمال القتل والقصف للشعب السوري، بينما تعترض هيئة التنسيق الممثلة في الوفد المفاوض المدعوم سعوديا على تعيين رئيس الوفد وكبير المفاوضين من المعارضة المسلحة.. متاهة ما بعدها متاهة.. وخلافات لها اول وليس لها آخر.

وهناك جبهة معارضة اقوى من الجميع لوجودها بقوة على الارض تتمثل في “جبهة النصرة”، وزعيمها ابو محمد الجولاني، الفرع الرسمي لتنظيم “القاعدة” في سورية، الذي وصف جميع المشاركين في مؤتمر المعارضة في الرياض بـ”الخونة”، وهدد بتصفيتهم، اما “الدولة الاسلامية” التي تسيطر على ثلث سورية، ان لم يكن اكثر، فقد تجاهلت الامر برمته، وكأن ما يجري لا يعنيها، ولا يستحق اي بيان ادانة او تخوين، ولعلها تعطي الاولوية لـ”تمددها” في ليبيا، ومحاولة الاستيلاء على “هلالها” النفطي في راس لانوف والبريقة والزويتينية.

مؤتمر جنيف سواء عقد في موعده او تأخر يومين او ثلاثة، او حتى شهر، ما هو الا محاولة من القوى العظمى لكسب الوقت، واشغال الاطراف السورية، اي مثل “خض الماء” او طحن الحصى”، لان هناك اتفاقا بين جميع الاطراف الاقليمية والدولية بأن الحل السياسي ما زال بعيدا، وان المسألة الاساسية هي كيفية ادارة الازمة السورية، وليس حلها.

المفارقة الغريبة ان مطالبات بعض فصائل المعارضة السورية السائدة طوال السنوات الخمس الماضية، والقوى الداعمة لها، في وضع “فيتو” على بقاء الرئيس بشار الاسد، تحولت الى “فيتو” على مشاركة هذا المعارض او ذاك، في مفاوضات مع حكومة هذا الرئيس، والوفد الذي يمثله.

***

اي طرف كان يتحدث، او يلمح الى “التفاوض” مع النظام السوري ورئيسه كان يعتبر خائنا يجب محاكمته، واصدار عقوبة الاعدام في حقه، الآن تغيرت المطالب والاولويات، وتغيرت الادبيات والمواقف، حسب املاءات الاطراف الداعمة، امريكية كانت او روسية وسبحان مغير الاحوال، وباتت فصائل وجبهات وشخصيات سورية تتنافس فيما بينها على عضوية الوفد المفاوض مع هذا النظام، وسبحان مغير الاحوال.

معظم الاطراف، او جميعها، تؤكد ان الحل السياسي هو المخرج الوحيد للازمة السورية، بينما تتبنى معظمها، او كلها، الحل العسكري الذي سيحدد الخرائط على الارض التي ستتبلور حدودها بعد تبدد غبار المواجهات في نهاية المطاف.

صمت السيد عادل الجبير هذه الايام، وعدم تكرار جملته الموسيقية الاثيرة الى قلبه “بأن الاسد يجب ان يرحل سلما او حربا” توحي بالكثير.

عبد الباري عطوان: داعش يدخل على خط الازمة السعودية الايرانية

لندن|

ما زالت تداعيات عملية اعدام المرجع الشيعي السعودي نمر باقر النمر من قبل السلطات السعودية قبل اسبوع تتفاعل على اكثر من صعيد، وبما يعمق التوتر المذهبي الشيعي السني، ويزيد من الاحتقان واحتمالات المواجهة العسكرية بعد السياسية، بين المملكة العربية السعودية وايران، لكن ربما تكشف الاسابيع والاشهر المقبلة، ان اعدام 43 سنيا من انصار تنظيم “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” اكثر خطورة على امن المملكة العربية السعودية واستقرارها من اعدام الشيخ النمر.

فاذا كانت ايران انبرت لشن حرب شرسة اعلامية وسياسية ودبلوماسية ضد المملكة العربية السعودية انتصارا للشيخ النمر، وتوعدت بالثأر لاعدامه، فان من قطعت رؤوسهم من اعضاء تنظيم “القاعدة” الذين لم تنتفض اي دولة، او جماعة، للدفاع عنهم، او ادانة اعدامهم، لانهم متهمون بالارهاب، وينتمون الى احد اخطر التنظيمات الارهابية، وجدوا في “الدولة الاسلامية” من يهدد بالثأر لهم، الى جانب تنظيمهم الاصلي، وهذا تهديد يعتبر في رأينا اكثر خطورة وجدية من التهديد الايراني، لان هؤلاء اذا قالوا فعلوا، ولنا في ما حدث في باريس من تفجيرات بعض الادلة.

فالخطر الايراني يمكن ان يكون محصورا في التحريض على مظاهرات، او شن حملات اعلامية ضد النظام السعودي، او استعراض بعض الصواريخ الحديثة في مناورات عسكرية، او دعم التحالف “الحوثي الصالحي” في اليمن بأسلحة وذخائر اذا ما جرى فتح ثغرات في جدار الحصار السعودي البحري، البري، والجوي، الخانق والمحكم، ولكن خطر “الدولة الاسلامية” داخلي، ويجد بيئة سعودية حاضنة يتمثل في مئات آلاف الشباب المؤمنين بعقيدته السلفية الوهابية، ونجح في الماضي القريب في تكوين خلايا، وتنفيذ هجمات ارهابية استهدفت مصالح واهداف حكومية، ولم يمر شهر دون ان تعلن وزارة الداخلية عن تفكيك خلايا، ومصادرة اسلحة، حتى ان قائمة المطلوبين التي وضعتها باتت اطول من حبال الصابرين.

***

“الدولة الاسلامية” لم تصدر بيانا تدين فيه اعمال الاعدام هذه، ولم يفعل تنظيم “القاعدة” الشيء نفسه، ولكن ما نشرته مجلة “النبأ” التابعة للتنظيم الاول في عددها الاخير (قبل ثلاثة ايام) من تهديدات بالانتقام للشباب المعدومين يوحي بالكثير، ويشكل فألا سيئا للسلطات السعودية.

في المقال توعد تنظيم “الدولة” بتدمير سجني “الحائر” في الرياض، و”الطرفية” في القصيم، حيث يوجد آلاف المعتقلين السياسيين بقضايا الارهاب، وبعضهم صدرت بحقه احكام بالاعدام، واخراج هؤلاء المعتقلين بالقوة، ووصف المعدومين، حسب ما جاء في تقرير “سايت” الامريكي المتخصص في رصد الجماعات الجهادية، بأنهم من خيرة الموحدين والمجاهدين في سبيل الله.

مثل هذه التهديدات يجب ان تؤخذ بدرجة عالية من الجدية، لان تنظيم “الدولة الاسلامية” اقتحم سجن تدمر السوري الرهيب، وحرر جميع المعتقلين فيه قبل بضعة اشهر، وفعل الشيء نفسه في سجون الرقة والموصل والرمادي وتكريت، كما ان تنظيم “القاعدة” اقتحم بدوره سجن صنعاء المركزي، وبعدها سجن المكلا، وافرج عن جميع انصاره المعتقلين فيهما.

وربما يجادل البعض بأن السجون السعودية اكثر تحصينا، والوصول اليها عملية صعبة، وهذا صحيح، ولكن كل السجون العربية محصنة، والسورية والعراقية من بينهما على وجه الخصوص، بالنظر الى طبيعة النظامين الامنية، والسوري تحديدا.

اعدام 43 متهما بالارهاب من “الجهاديين” ابناء الطائفة السنية كان مقصودا، ليس فقط لنفي الصفة الطائفية على وجبة الاعدام الجماعية هذه، ووجود الشيخ النمر على رأس قائمتها، وانما ايضا لتحذير الشباب السعودي، والتلويح بسيوف الاعدام وحبال مشانقه، في حال اقدموا على اعمال عنف في الداخل، احتجاجا على الاوضاع الاقتصادية المتدهورة، ونزيف الحرب اليمنية المادي والبشري والامني، ولا نتردد في القول لحظة بأن ايران وحلفاءها اخطأت في حصر احتجاجاتها في اعدام الشيخ النمر وحده، واستثنت الآخرين، لان عملية الاعدام في حد ذاتها مشكوك في شرعيتها.

فعندما تشير استطلاعات رأي غير رسمية الى ان اكثر من تسعين في المئة من الشباب السعودي يتعاطفون، او يناصرون “الدولة الاسلامية” التي تتبنى المذهب الوهابي كعقيدة وايديولوجيا، وعندما تتعهد السلطات السعودية بإجراء استفتاء رسمي يكذب هذا الاستنتاج، ولم تنفذ تعهدها حتى هذه اللحظة، وعندما تؤكد اربعة استطلاعات رأي (ثلاثة منها امريكية واوروبية ورابع عربي) ان هناك ما يقرب من 50 مليون عربي، في ثماني دول فقط، اما من المتعاطفين او المؤيدين لهذه “الدولة”، فإن هذا يوحي بأن المنطقة امام خطر ارهابي حقيقي ربما يستمر لعقود، ويأخذ اشكالا وتنظيمات متعددة وفي اكثر من دولة في الوقت نفسه.

الرئيس الامريكي باراك اوباما رش المزيد من الملح، وربما الشطة، على الجرح السعودي الغائر الذي سببه الاتفاق النووي الايراني مع الدول الست العظمى، ووصف بانه طعنة مسمومة في ظهر الاسرة الحاكمة التي فوجئت به، عندما قال، اي اوباما، في مقابلة مع الصحافي الامريكي توماس فريدمان، ان الخطر الحقيقي على الحكومة السعودية هو من الداخل، والشباب المحبط على وجه الخصوص، الذي لا يجد بديلا افضل يبعده عن “الدولة الاسلامية”.

من المفارقة ان توماس فريدمان الذي اتهم المملكة العربية السعودية بانها اداة التفريخ الرئيسية للارهاب الجهادي الاسلامي، وذكّر بأن 15 من 19 عنصرا من منفذي هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) يحملون جنسيتها، من المفارقة انه حل ضيفا عزيزا مكرما على الحكومة السعودية، والقى محاضرة في قلب مدينة الرياض جذبت عددا كبيرا من الامراء والسياسيين والاكاديميين والاعلاميين قبل شهر.

***

الحكومة السعودية تعيش حالة من القلق، ليس بسبب حروبها النازفة في اليمن وسورية، وانما خوفا على ضياع رأسمالها الابرز الذي طالما تباهت به، ونبهت مواطنيها الى نعمته، وهو الاستقرار الداخلي الذي يميزها عن محيطها العربي الملتهب.

ولعل دفن الشيخ النمر في مكان مجهول على الطريقة الامريكية في دفن الشيخ اسامة بن لادن زعيم تنظيم “القاعدة” في البحر، والعقيد معمر القذافي في فيافي الصحراء الليبية لاحقا، مع الفارق في المقارنة، يعكس احد مظاهر هذا القلق، فالحكومة السعودية مثل نظيرتها الامريكية لا تريد ان يتحول قبر الشيخ النمر الى رمز، او مزار لانصاره ومذهبه، فخطره في مماته ربما يكون اكبر منه في حياته.

اغلاق السفارات، او اقتحامها، وسحب السفراء او تخفيض التمثيل الدبلوماسي، او حتى قطع العلاقات التجارية، كلها اجراءات احتجاجية انتقامية مهمة، ولكننا ربما سنكون احد المتفاجئين اذا وقفت الامور عند هذا الحد.

عطوان: الحرب الباردة السعودية الايرانية تعيد “سوريا واليمن” الى المربع الاول

لندن|

المنطقة تشهد حاليا اجواء حرب باردة، تسخن بشكل تدريجي، على ارضية الصراع السعودي الايراني المتأجج، ابتداء من قطع العلاقات وانتهاء بوقف الرحلات الجوية، وهذا كله، وما يمكن ان يتفرع عنه، قد ينعكس بشكل او باخر على القضايا والحروب الاقليمية، وخاصة في سورية واليمن، بل والمنطقة بأسرها.

لم تعد الحرب للقضاء على “الدولة الاسلامية” تتصدر الاهتمام الاقليمي والدولي بالشكل الذي كانت عليه قبل اسابيع فقط، كما ان الآمال ببدء مفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة المسلحة في غضون اسبوعين للاتفاق على حكومة وحدة وطنية وصلاحياتها تمهيدا للوصول الى الانتخابات، والدستور، والحل السياسي في نهاية المطاف، كلها تبخرت وعادت الازمة السورية بالتالي الى المربع الاول، ولو الى حين.

***

المملكة العربية السعودية تتعمد التصعيد الدبلوماسي، والتحشيد السني، في مواجهة ايران التي تميل الى التهدئة للحفاظ على مكاسبها الاستراتيجية في سورية من خلال تحالفها مع روسيا، وما نتج عنه من تقدم على الارض، وفي اليمن من خلال توريط خصمها السعودي في اليمن، واستخدام الاقليات الشيعية في الخليج كورقة ضغط وتهديد اضافية، وربما ايضا لتحويل الانظار عن تعثر “عاصفة الحزم”، وتفاقم حالة التململ الداخلي نتيجة لذلك، ولاوضاع اقتصادية متراجعة.

النهج السعودي الراهن يتعمد محاولة افساد كل ما حققته ايران من مكتسبات بسبب نجاحها في عقد اتفاق نووي مع الدول الست العظمى يؤدي الى رفع الحصار عنها، وعودتها بالتالي كقوة “مقبولة” وليس “ارهابية” الى المجتمع الدولي، فهذه العودة الايرانية التي ستبدأ في منتصف العام الجديد “نظريا” ستعني العودة الى الاسواق النفطية، واسترداد مليارات من الدولارات مجمدة، وشراء اسلحة جديدة متقدمة من روسيا والصين على وجه الخصوص.

اعدام المرجع الشيعي السعودي نمر باقر النمر يوم السبت الماضي كان احد اركان هذا النهج في صيغته التكتيكية، ورد الفعل الايراني المتهور بحرق السفارة السعودية في طهران اكد نجاحه، ووقوع ايران في مصيدته في التوقيت الخطأ، مع تسليمنا المسبق، بأن ايران ليست بريئة مطلقا من توظيف الورقة الطائفية لخدمة مصالحها.

الخطة السعودية نجحت في استفزاز ايران، وصب كمية هائلة من البنزين على التأزيم الطائفي، لكنها لم تحقق النجاح نفسه على صعيد التحشيد والتعبئة، للحكومات السنية على الاقل في مواجهة ايران، فتركيا التي دخلت قبل اسبوع في مجلس تعاون استراتيجي مع السعودية لم تغلق سفارة، ولم تسحب سفيرها في طهران، وادارت وجهها الى الناحية الاخرى، واخفت موقفها في النأي عن النفس، بإعرابها عن الاستعداد للتوسط بين طرفي الصراع السعودي الايراني للوصول الى تسوية، اما الكويت، العضو المؤسس في مجلس التعاون الخليجي فلم تقطع علاقات مع ايران هي الاخرى، واكتفت باستدعاء سفيرها في طهران للتشاور، ولم تطرد السفير الايراني وتغلق سفارته، مثلما فعلت البحرين، او تخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي الى المستوى القائم بالاعمال، مثلما فعلت الامارات.

خيبة الامل السعودية من حالة “الفتور” في محيطها الخليجي والعربي، دفعتها للاقدام على خطوتين: الاولى توجيه الدعوة الى اجتماع طارىء لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض السبت، واخرى لعقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة في القاهرة لتصعيد عملية التحشيد السياسي العربي والخليجي في مواجهة ايران.

المتشددون في الجانبين السعودي والايراني هم ابرز المستفيدين من اعمال التصعيد والتحشيد الطائفي هذه، اما الخاسرون فهم العقلاء والمعتدلون الذين يدركون حجم المخاطر، ويقيمون نتائجها الكارثية جيدا، ومن يتابع اعمال التحريض الطائفي على الانتقام والثأر في وسائل الاعلام الايرانية والسعودية يدرك جيدا ما نقول.

***

فرص الحل السياسي للازمة السورية تراجعت الى الدرك الاسفل، والجهود التي بذلت لتحسينها طوال النصف الثاني من العام الماضي، ذهبت ادراج الرياح، والمعارضة السورية التي تسيطر عليها وقرارها المملكة العربية السعودية، وتتخذ من الرياض مقرا لها ستتشدد اكثر في مواقفها بإيعاز سعودي مرفوق بوعود بتزويد فصائلها المقاتلة على الارض بأسلحة حديثة متقدمة.

تنظيما “الدولة الاسلامية” و”القاعدة” في كل من العراق وسورية واليمن سيخرجان اكثر قوة من هذه الحرب الطائفية الباردة التي بدت امرا واقعا في المنطقة، فالتحريض الطائفي للسنة من قبل السعودية قد يؤدي الى زيادة دعم ابناء الطائفة في العراق وسورية لـ”الدولة الاسلامية”، وتدفق متطوعين اليها من مختلف انحاء العالم الاسلامي، بعد خسارتها لمدينة الرمادي او معظمها، واعدام 42 متهما من عناصر “القاعدة” من قبل السعودية يوم السبت الماضي قد يؤدي الى انهاء “هدنة” غير معلنة من قبل التنظيم مع قوات التحالف السعودي في اليمن، وما حدث من تصعيد من قبل هذا التنظيم في الهجمات ضد التحالف في عدن طوال اليومين الماضيين، ونجاة محافظي عدن ولحج من محاولة اغتيال بسيارة ملغومة بأعجوبة، هو احد الادلة، وبداية التحرك الهجومي المتوقع تصاعده.

المنطقة تعيش حاليا على حافة هاوية حرب طائفية، سنية وشيعية، او هكذا يراد لها ان تكون، وهي حرب اذا اندلعت، واحتمالات اندلاعها هي الاكبر، ستطيح بأنظمة، وتغير حدودا، وتقسم دول كانت تعتقد انها محصنة من الثورة والتقسيم، بل والتفتيت.. والايام بيننا.

عطوان: إيران وقعت بمصيدة الاستفزاز السعودي واعدام النمر قد يشعل حربا طائفية

لندن|

لو نظرنا، وبعين المراقب، الى ردود الفعل الرسمية والشعبية على الخطوة التي اقدمت عليها الحكومة السعودية يوم امس، وتمثلت في اعدام 47 متهما بالارهاب، ابرزهم رجل الدين الشيعي نمر باقر النمر، والسني فارس آل شويل، نجد ان الاول، اي الشيخ النمر، انتفضت دول وشعوب للاحتجاج على اعدامه، وهو الذي حصر انشطته في معارضة النظام وممارساته وتهميشه لطائفته بالطرق السلمية، بينما لم يتحرك احد للاحتجاج على اعدام 46 آخرين من السنة، وبعضهم كان دوره في “الارهاب” هامشيا، خوفا من مواجهة الاتهام بالتعاطف مع تنظيم “القاعدة”، او الوقوف في خندقه، والقاسم المشترك ان جميع المعدمين ادينوا بمحاكمات تفتقر الى العدل والاجراءات المتبعة في الدفاع عن النفس.

لا نعتقد ان السلطات السعودية على هذه الدرجة من الغباء، بحيث تقدم على اكبر “وجبة” من الاعدامات بهذه الضخامة في يوم واحد، وفي بداية العام الجديد، منذ اعدامها حوالي 60 شخصا مع زعيمهم جهيمان العتيبي عام 1980، دون ان تكون قد فكرت جيدا في كل التبعات، وتوقعت ردود الفعل الغاضبة من ايران وحزب الله، وابناء الطائفة الشيعية في المنطقة والعالم، ودون ان تتخذ الاحتياطات لعمليات انتقامية من تنظيم “القاعدة” ثأرا لرجاله المعدمين، لا بد ان هناك اهداف محددة خلف هذه الخطوة السعودية المفاجئة، وان كنا نقر مسبقا بأن جوانب السياسة السعودية في الاشهر الاخيرة تتسم بالارتباك وردود الفعل المتسرعة.

***

الامر المؤكد ان من اتخذ قرار تنفيذ الاعدام هذا تعمد توجيه رسالة “استفزازية” لخصومه في الداخل السعودي، والخارج الاقليمي، لتصعيد التوتر الطائفي المتفاقم في المنطقة، وتعميق حالة الاستفزاز المذهبي بين السنة والشيعة، ونقل ايران وانصارها، بطريقة او باخرى، من حروب بالانابة مع المملكة العربية السعودية، الى حروب مباشرة، وبما يؤدي الى حشد الاغلبية السنية خلف المملكة وقيادتها، في كل حروبها، الحالي منها والقادم، وليس هناك اقوى من الورقة الطائفية في هذا الصدد.

فلم يكن من قبيل الصدفة ان عمليات الاعدام الجماعية هذه جاءت بعد اعلان الامير محمد بن سلمان ولي ولي العهد، وصاحب القرار الاول في الاسرة الحاكمة، تأسيس تحالف اسلامي سني عسكري وامني وسياسي من 34 دولة، وبعد ايام معدودة من تشكيل مجلس تعاون استراتيجي مع تركيا، الدولة السنية الحليفة الاخرى، اثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان للرياض، فالاعدامات التي صدرت احكامها في حق المنفذة فيهم قبل عشر سنوات في بعض الحالات (المتهمين بتفجيرات الرياض من انصار القاعدة)، او قبل عامين (الشيخ النمر)، يمكن ان يؤجل تنفيذها اشهرا او اعواما اخرى.

الاوضاع الداخلية في المملكة العربية السعودية تشهد في الوقت الراهن حالة من الغليان، سواء على صعيد الاسرة الحاكمة، او على الصعيد الشعبي، على ارضية التدخل السعودي في اليمن خاصة، وتآكل المداخيل والارصدة السعودية في حربها، ومحاولة “شراء” دعم حكومات للتورط السعودي فيها، ورفع الدعم عن بعض السلع الاساسية (المحروقات والماء والكهرباء)، وارتفاع العجز في الميزانية.

انا شخصيا تلقيت اتصالات من اعضاء في الاسرة الحاكمة السعودية، بشكل مباشر او غير مباشر، تتحدث عن معارضتها للتورط السعودي في حرب اليمن، والاندفاع بشكل غير مسبوق ماليا وعسكريا في الحرب السورية، ومعاداة دول عظمى مثل روسيا، وحالة الحرد من الولايات المتحدة، مثلما عبر لي بعض السعوديين الذين ينتمون الى “النخبة” عن الشي نفسه في جلسات خاصة.

ولا نبالغ اذا قلنا ان الرسالة التي يريد صاحب القرار السعودي توجيهها الى الداخل من خلال تنفيذ هذه الاعدامات هي رسالة “تهديد”، وليس تحذير فقط، سواء للاغلبية السنية او الاقلية الشيعية معا، تقول مفرداتها بأن القبضة الحديدية السعودية لن تتهاون مع اي احد يعارض النظام سلميا او عسكريا، ولا يمكن تكرار ما حدث في تونس او القاهرة او صنعاء، اي التهاون مع الاصوات التي تريد زعزعة ركائز النظام، او حتى مجرد التفكير في اطاحته.

بمعنى آخر يمكن القول ان صانع القرار السعودي يكرر حرفيا تبني الحلول الامنية التي يتبعها الرئيس السوري بشار الاسد، الذي ويا للمفارقة، يدعم المعارضة السورية المسلحة بالمال والسلاح للاطاحة به، مع تسليمنا مسبقا بأن المقارنة هنا ليست في مكانها بعد، ولكن البدايات والنوايا، ربما تكون متطابقة، وتقود الى النتائج نفسها، او اقل او اكثر.

السلطات الايرانية وقعت في مصيدة الاستفزاز السعودي، وتجسد ذلك بكل وضوح في اقتحام متظاهرين السفارة السعودية في طهران واحراقها، فإيران التي وقعت اتفاقا نوويا مع الدول الست العظمى، وتريد اسقاط تهمة الارهاب، وعدم الانضباط عنها، تمهيدا للعودة الى المجتمع الدولي اطلقت النار على قدمها، ونسفت هذا التوجه، كليا او جزئيا، بالسماح بحدوث عملية الاقتحام هذه، التي كان بامكانها منعها، فمعارضة عملية اعدام الشيخ النمر شيء، واقتحام السفارات شيء آخر، لان هناك معاهدات دولية تحتم حمايتها، وتلزم جميع الدول الالتزام بها دون استثناء.

المظاهرات التي انطلقت في اكثر من مكان احتجاجا على اعدام الشيخ النمر، والتهديدات بالانتقام التي رافقتها من دول واحزاب ومنظمات قد تتطور وتخرج عن السيطرة، خاصة ان عملية الاعدام هذه جاءت بعد كارثة التدافع في مشعر منى اثناء الحج الاخير، وكانت نسبة كبيرة من ضحاياها من الايرانيين والحجاج الشيعة، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بما يمكن ان يحدث في الايام القليلة المقبلة من صدامات ومفاجآت.

***

في ظل تصاعد هذا التوتر الطائفي بين السعودية وايران، لا توجد اي وساطات او تحركات لتطويقه، ومنع تحوله الى “فتنة” شيعية سنية كبرى يسقط فيها مئات الآلاف من الضحايا من الجانبين، وتدمر مدن وبنى تحتية، وتتبخر مئات المليارات من الدولارات.

لا نعرف مدى نجاح فرص الحرب الطائفية هذه، فتنظيم “القاعدة” في العراق حاول اشعال فتيلها باستهداف الشيعة بسياراته المفخخة، وكرر تنظيم “الدولة الاسلامية” الشيء نفسه، وما زال، ولكن ان تلقي دولة مثل السعودية بكل ثقلها في هذا المضمار فهذا تطور جديد، ويثير العديد من علامات الاستفهام.

السعوديون يلومون ايران دائما، ويحملونها مسؤولية التصعيد الطائفي، وهذا متوقع، ويبررون حربهم في اليمن بمواجهة النفوذ الايراني، ولكن اصدقاءهم في امريكا، وعلى لسان اكثر من مسؤول، يرون ان هناك مبالغات في حجم هذا النفوذ، وهذا لا يعني تبرئة ايران مطلقا، فهي دولة اقليمية عظمى، ولها اطماع، وهذا ليس مفاجئا، فتوسيع دائرة النفوذ يشكل قاسما مشتركا بين كل مثيلاتها مثل تركيا والسعودية ومصر.

المنطقة تقف على حافة حرب اقليمية طائفية مذهبية، وتنتظر هذه الحرب عود الثقاب الذي يشعل اوارها، ونأمل ان لا يكون اعدام الشيخ النمر فجر يوم السبت هو المفجر، ولكن الآمال شيء وما يطبخ في الغرف السوداء شيء آخر للأسف.

نحن على عتبة عام جديد ربما يكون الاكثر دموية في تاريخ المنطقة، ومن غير المستبعد ان يكون وقود حروبه الدول التي اعتقدت انها محصنة من “ثورات” ما يسمى بالربيع العربي، وعملت على تصديرها الى غيرها.

لسنا من المنجمين، ولن نكون، ولكن ما هو مكتوب على الجدران يشي بالكثير في هذا المضمار، والايام بيننا.

عبد الباري عطوان: زمن تغيير الانظمة انتهى

لندن|

في مؤتمره الصحافي السنوي الذي حضره اكثر من 1500 صحافي، واستغرق ثلاث ساعات، وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جدول اعمال مؤتمر نيويورك الذي سيبدأ اعماله الجمعة بحضور وزراء خارجية 17، دولة لبحث كيفية الوصول الى حل سياسي للازمة السورية.

النقطة الابرز في هذا المؤتمر تأكيد الرئيس الروسي بكل وضوح بانه “لن يقبل بأن يفرض احد على روسيا من سيحكم سورية او اي بلد آخر”، وقوله “موقفنا هذا ثابت ولن يتغير”.

تصريحات الرئيس بوتين هذه جاءت بعد اجتماع عقده مع جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة الامريكية في موسكو، وكأن لسان حاله يقول للادارة الامريكية “انتهى الزمن الذي كنت فيه تتدخلي عسكريا بكل حرية وتغيري فيه الانظمة، مثلما فعلت في افغانستان والعراق وليبيا فنحن عدنا.. ونحن هنا والشعب السوري وحده هو الذي يقرر مصير رئيسه”.

***

من المؤكد ان الوزير كيري فهم هذه الرسالة ومضامينها جيدا، فلم يعد يتحدث عن رحيل الرئيس السوري كشرط لبدء المرحلة الانتقالية، كما ان نغمة حليفه السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، المطالبة بالشيء نفسه قد خفت درجة حدتها، وربما لن نسمعها لفترة طويلة.

مؤتمر نيويورك الذي يأتي امتدادا لنظيره في فيينا ينعقد في ظل حدوث تطورين رئيسيين على صعيد ملف الازمة السورية:

الاول: انعقاد مؤتمر فصائل المعارضة السورية في الرياض قبل اسبوع وتشكيله هيئة تنسيق للاشراف على اي مفاوضات مقبلة مع حكومة الرئيس الاسد، واختيار السيد رياض حجاب رئيس الوزراء السوري المنشق رئيسا للوفد المفاوض، ومرشح المعارضة وداعميها في اي انتخابات رئاسية مستقبلية.

الثاني: انتهاء السلطات الاردنية من وضع لائحة بأكثر من 160 تنظيما ارهابيا في سورية تتصدرها “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة” و”احرار الشام”، و”جند الاقصى”، وفجر الاسلام” و”لواء التوحيد”، وقد تسلمت موسكو نسخة من هذه اللائحة رسميا، الى جانب الدول المشاركة وستقدمها الى الامم المتحدة لاصدار قرار باعتمادها من مجلس الامن.

مؤتمر المعارضة السورية في الرياض كان حافلا بالمشاكل، سواء من حيث تخوين جميع من شاركوا فيه، مثلما جاء على لسان السيد ابو محمد الجولاني، زعيم جبهة النصرة، او مقاطعة البعض له مثل تيار “قمح”، الذي يتزعمه الدكتور هيثم مناع، او عقد الفصائل الكردية السورية مؤتمرا موازيا في الحسكة شمال شرق سورية كرد على تجاهلهم، وتهميشهم، وعدم توجيه القائمين على مؤتمر الرياض اي دعوة لهم، وبايعاز من تركيا، ولعل اصرار الامير محمد بن نايف ولي العهد السعودي في كلمته امام فصائل المعارضة على حتمية رحيل الرئيس السوري قبل بدء العملية السياسية والمرحلة الانتقالية على وجه الخصوص قد نسف هذا المؤتمر، وعرضه لاتهامات بعدم الشرعية من موسكو، وربما واشنطن ايضا، وربما يضيف اختيار السيد حجاب رئيسا لوفد المفاوضات انقسامات جديدة، لان هناك من يتهمه بالولاء للنظام او يعتبره جزءا منه.

ولا نعتقد ان توريط السلطات الاردنية في مصيدة اعداد لائحة الجماعات الارهابية سيمر دون مشاكل، فاذا صح ان هذه القائمة تضم جبهة “احرار الشام” المدعومة قطريا وتركيا، والممثلة في مؤتمر المعارضة في الرياض، فإن هذا سيثير العديد من المشاكل، وعلى اكثر من صعيد، وقد يسبب صداعا مزمنا للاردن، ويخلق عداوات هو في غنى عنها، خاصة ان لديه ما يكفيه منها داخليا وخارجيا، وربما يصبح هذا الصراع مزمنا، سواء اذا ما جرى ضم فصائل شيعية الى القائمة، مثل كتائب ابو الفضل العباس وربما “حزب الله” ايضا، او لم يتم ضمها.

***

لا نريد ان نستبق الاحداث، ونرسم صورة متشائمة عن نتائج مؤتمر لم يعقد بعد، ولكن الطموحات الامريكية الروسية ببدء المفاوضات مع السلطات السورية والمعارضة مع مطلع العام الجديد تبدو غير واقعية، كما ان تمسك روسيا بموقفها الداعم للرئيس الاسد، وهجوم بوتين الشرس على تركيا، وتأكيده بأنه لن يغفر للرئيس رجب طيب اردوغان اسقاط الطائرة الروسية التي اخترقت الاجواء التركية لثوان معدودة، يهدد بإجواء توتر، وربما صدامات كلامية في داخل قاعة الاجتماع واروقتها ايضا.

الرئيس بوتين بات يتصدر خط الهجوم، ويسجل الاهداف في مرمى الامريكان وحلفائهم، الواحد تلو الآخر، تمهيدا لمقدم عام جديد حافل بالمفاجآت على اكثر من جبهة، سياسية كانت او عسكرية.

عطوان: حلف “ناتو سني” بزعامة السعودية لمحاربة “الارهاب السني”

لندن|

فجأة، ودون اي مقدمات، اعلن الامير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد، وزير الدفاع السعودي، عن قيام تحالف اسلامي عسكري يضم 34 دولة سيتولى مهمة التصدي للإرهاب، وسيشكل غرفة عمليات مشتركة للتنسيق، مقرها الرياض.

وعندما نقول فجأة، فإنه لم يتم، على حد علمنا والملايين مثلنا، عقد اي اجتماع، سري او علني، للدول التي قيل انها انضمت الى هذا التحالف، وجميعها اعضاء في منظمة التعاون الاسلامي، وتعدادها 34 دولة، ليس من بينها دولة واحدة ذات اغلبية شيعية، مثل العراق وايران العضوين في المنظمة نفسها، او دولة مثل الجزائر، خاضت حربا لمدة عشر سنوات ضد جماعات تصفها بالإرهابية، وفقدت اكثر من 200 الف من مواطنيها، او اندونيسيا اكبر دولة “سنية” اسلامية.

هل من الجائز لنا ان نقول ان هذا الحلف الجديد والمفاجئ هو “ناتو سني” لمواجهة الجماعات “الارهابية السنية”، ام لمواجهة المحور الايراني العراقي السوري المدعوم روسيا، وبغطاء امريكي غربي؟

***

توقيت هذا الاعلان السعودي المفاجئ يأتي على درجة كبيرة من الاهمية لأسباب عديدة، يمكن ايجازها في النقاط التالية:

اولا: اعلان السناتور جون ماكين مسؤول اللجنة العسكرية في الكونغرس الامريكي قبل عشرة ايام عن ضرورة توفير مئة الف جندي معظمهم من الدول “السنية” لقتال “الدولة الاسلامية”، مع وجود عشرة آلاف جندي امريكي من ضمنهم لقتال التنظيم.

ثانيا: كشف جون بولتون، احد ابرز صقور المحافظين الجدد في مقالة نشرها قبل ايام في صحيفة “نيويورك تايمز عن حتمية اقامة “دولة سنية” على انقاض “الدولة الاسلامية” في المنطقة الجغرافية التي تسيطر عليها في شرق سورية وغرب العراق، في موازاة دولة شيعية في جنوب العراق، وكردية في شماله.

ثالثا: فشل “عاصفة الحزم” التي تشنها الطائرات السعودية والحلفاء الخليجيين والعرب منذ تسعة اشهر في القضاء على التحالف “الحوثي الصالحي”، واعادة العاصمة صنعاء الى “الشرعية” التي يمثلها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، واعطائها، اي “عاصفة الحزم”، نتائج عكسية من بينها التوغل الحوثي في مناطق سعودية جنوبية مثل جازان ونجران، وتصاعد الخسائر البشرية والمادية في صفوف التحالف السعودي.

رابعا: انعقاد اجتماع المعارضة السورية في الرياض قبل ايام وتشكيله هيئة عليا للإشراف على اي مفاوضات قادمة مع النظام السوري، وتسمية اعضاء الوفد المفاوض العشرين، وتعرض هذا الاجتماع لاعتراضات شتى من سورية وروسيا، ومقاطعة الاكراد، وعدة فصائل وجماعات معارضة له، وتخوين جبهة النصرة وزعيمها ابو محمد الجولاني لكل المشاركين دون اي استثناء.

خامسا: قرب اعلان الاردن الذي جرى تكليف حكومته من قبل مؤتمر فيينا بتحديد الجماعات “الارهابية” من تسمية وتحديد هذه الجماعات، ومن المؤكد انه سيكون على رأسها “الدولة الاسلامية”، و”جبهة النصرة”، مما يعني اعطاء الضوء الاخضر للتحالف “السني الامريكي” للبدء في تصفيتها، سواء بتنسيق مع روسيا او عدمه.

سادسا: تصاعد الاتهامات الغربية، والامريكية بالذات الى دول اسلامية ابرزها المملكة العربية السعودية وقطر بتغذية الارهاب واحتضانه، ودعمه، بعد اسقاط طائرة شرم الشيخ الروسية، وتفجيرات باريس، وهجمات لندن والولايات المتحدة، ويأتي تشكيل السعودية للحلف الجديد، واعلانه بهذه السرعة ردا على هذه الاتهامات والانتقادات.

***

لا نملك الكثير من المعلومات حول خفايا هذه الخطوة السعودية المفاجئة، التي تعكس تغيرا في نهج الرياض، وانتقالها من مرحلة ضبط النفس وكظم الغيظ، الى مرحلة الهجوم العسكري، وتبني “عقيدة سلمان”، على حد وصف اعلاميين سعوديين، فما زال الوقت مبكرا، ولكن ما يمكن قوله ان هذا “الحلف السني العسكري” هو تكريس للانقسام الطائفي في المنطقة الذي سيتم على اساسه تقسيمها ورسم الحدود الجغرافية الجديدة لسايكس بيكو الجديد.

انها مغامرة سعودية اخرى على درجة كبيرة من الخطورة، تعكس تسرعا في الانتقال من حرب الى اخرى، حتى لو يتم الانتصار او الحسم في الحرب الاولى، مما يؤشر الى احتمالات توسع نطاق الحرب الجديدة، او المتوقعة، بحيث يتم الانتقال من الحرب ضد “الارهاب”، اي “الدولة الاسلامية” واخواتها، الى حرب اخرى ضد ايران وحلفائها بتحريض امريكي ومباركة او حتى مشاركة اسرائيلية.

تمعّنا جيدا في المؤتمر الصحافي الذي القاه على عجل الامير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي، الذي اقتصر فقط على الاعلاميين السعوديين، وغاب عنه الصحافيون من 33 دولة اعضاء في هذا التحالف الجديد، ولا نعرف لماذا تم استبعاد هؤلاء، وعدم منحهم الفرصة لتوجيه اسئلة يستفسرون من خلالها عن تفاصيل هذا الحلف، الذي ستشارك فيه قوات بلادهم، وتخوض حروبا في المستقبل القريب ضد جماعات ارهابية خارج حدودها، ربما يؤدي الى وقوع خسائر كبيرة في الارواح، فلماذا هذا التهميش والاقصاء؟

وكان لافتا ان الارهاب الاسرائيلي لم يرد مطلقا في المؤتمر الصحافي المذكور، رغم انه قيل لنا ان دولة فلسطين “الوهمية” من اعضاء هذا الحلف، فهل حلف “الناتو السني” هذا لمحاربة الارهاب السني فقط؟ او بالاحرى تحالف “صحوات”، ولكن على مستوى الدول والحكومات هذه المرة؟ وهل استشار الرئيس محمود عباس المؤسسات الفلسطينية، او ما تبقى منها قبل الاقدام على هذه الخطوة، مثل المجلس الوطني الفلسطيني، او حتى لجنته التنفيذية، على هزالتها؟

اخيرا هناك سؤال يطرح نفسه وهو عن الكلفة المالية الباهظة التي ستتحملها السعودية، ودول خليجية اخرى، من جراء مسؤوليتها عن تغطية نفقات هذا الحلف، ورشوة الدول المشاركة فيه، وهي قطعا ستكون بمئات المليارات من الدولارات، وهل ستستطيع السعودية وشقيقاتها الخليجيات تغطية هذه النفقات في وقت يصل فيه سعر برميل النفط الى 35 دولارا، ويتفاقم العجز في الميزانيات، وتتآكل الاحتياطات الخارجية، وتبدأ السعودية ودول خليجية اخرى في فرض ضرائب غير مباشرة، ورفع الدعم تدريجيا عن المواد الاساسية، مثل الماء، والكهرباء والمحروقات؟

اننا، وباختصار شديد، ننجرف الى هاوية حرب سحيقة ستأكل اولادنا، واموالنا، وستدمر دولنا، قد تستمر لعقود ان لم يكن لقرون.. والايام بيننا.

عبد الباري عطوان: طبخة امريكية جديدة والعرب يلعبون دور “الكومبارس”

السيدة حنان الفتلاوي رئيسة كتلة “ارادة” في البرلمان العراقي، قالت ان لديها معلومات تتحدث عن حشد قوات عربية وامريكية قوامها مئة الف مقاتل لازالة “الدولة الاسلامية” في العراق، واكدت ان السناتور جون ماكين ابلغ السيد حيدر العبادي رئيس الوزراء الذي زار بغداد مؤخرا ان القرار بإرسال القوات جرى صدوره فعلا.

الرئيس الامريكي باراك اوباما سيلقي خطابا غدا الاثنين سيتحدث فيه عن خطط جديدة لبلاده في العراق وسورية، بينما تلتزم حكومته الصمت تجاه ازمة القوات التركية المرابطة حاليا قرب الموصل، والتهديدات العراقية بقصفها باعتبارها انتهاكا لسيادة تبخرت منذ احتلال عام 2003.

السؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هو عن الاهداف الحقيقية التي تكمن خلف هذا الحراك، ومن هي الدول العربية والاقليمية التي سترسل قوات للانضمام الى التحالف “الارضي” الجديد الذي تسعى امريكا لتشكيله بعد التحالف الجوي، وهل ستشكل القوات الامريكية عشرة بالمئة فقط من هذه القوات المقترحة، مثلما يؤكد السناتور ماكين ام اكثر؟ ولماذا الآن؟

***

القضاء على “الدولة الاسلامية” ليس عملية سهلة، علاوة على كونها غير مضمونة النتائج، ولكن السؤال الافتراضي هو حول البديل الذي تريده امريكا لهذه الدولة، والشكل الذي ستكون عليه المنطقة التي تسيطر عليها في كل من شمال غرب العراق، وشمال شرق سورية؟

جون بولتون احد ابرز صقور المحافظين الجدد، وسفير امريكا الاسبق في الامم المتحدة في عهد الرئيس بوش، اجاب على بعض هذه الاسئلة في مقالة نشرها قبل يومين في صحيفة “نيويورك تايمز الامريكية قال فيها ان سورية والعراق اللتين نعرفهما قد انتهيا، وان البديل عن “الدولة الاسلامية” هو اقامة “دولة سنية” من قبل الولايات المتحدة وحلفائها العرب في موازاة دولة كردية شمال العراق، على ان تكون السيطرة لحزب البعث بشقيه العراقي والسوري عليها.

منظور بولتون لهذه الدولة يؤكد انها تملك اسباب البقاء لوجود نفط في اراضيها (13 بئرا في العراق و170 بئرا في سورية)، يتم الاتفاق عليها مع الاكراد برعاية امريكية، ولكن يجب ان تقوم السعودية ودول خليجية اخرى، حسب تصوره،  بتمويل الاحتياجات المالية لفترة التأسيس، ويؤكد بولتون ان هذه الدولة السنية لن تكون ديمقراطية لسنوات عدة قادمة، وستحارب الجماعات الاسلامية المتشددة.

التقيت بولتون مرة واحدة في حياتي عندما شاركت معه كمحاور ومعلق عربي في حلقة من برنامج Dateline London الشهير في محطة تلفزيون BBC الانكليزية في مطلع عام 2003 وكان في طريقه الى المنطقة، واصطدمت معه في جدل ساخن، ورد علي ببرود قاتل بقوله: انتقد امريكا كما شئت، وشكك في نواياها بأعلى صوتك، وجوابي عليك سيكون على الارض في الاسابيع المقبلة.

بعد بضعة اسابيع غزت القوات الامريكية العراق واحتلته وقسمته على اسس طائفية وعرقية، وبقية القصة معروفة، وما اردت قوله ان بولتون هذا الذي يعمل حاليا في معهد انتربرايز الذي يعرف بانه من اهم مراكز البحث الامريكية المقربة من المؤسسة الحاكمة، لا يلقي الكلام جزافا، ويتحدث هنا عن خطة مرسومة في انتظار التطبيق العملي.

لا نستبعد ان تكون القوات التركية المرابطة حاليا قرب الموصل “رأس حربة” في الهجوم الجديد على “الدولة الاسلامية”، وبتنسيق مباشر مع الادراة الامريكية ومباركتها، ولا نستبعد ايضا ان تنضم اليها قوات سعودية واماراتية واردنية، وربما مصرية، الامر الذي يذكرنا بما قاله قبل اسبوعين السيد انور قرقاش وزير الدولة الاماراتي للشؤون الخارجية ودون اي مناسبة، عن استعداد بلاده للمشاركة في قوات برية لمحاربة “الدولة الاسلامية”.

***

اتفاقيات “سايكس بيكو” التي قسمت الدولة العثمانية قبل مئة عام بالتمام والكمال، انتهى عمرها الافتراضي، ويبدو ان هناك محاولة لتجديدها بإعادة رسم الحدود، وتفكيك الدولة القُطرية، وسورية والعراق تحديدا، واقامة دول جديدة على اسس طائفية وعرقية.

دول عربية شاركت بفاعلية في تطبيق اتفاقات سايكس بيكو الاولى بتحريض انكليزي فرنسي للثورة ضد الرجل العثماني المريض باعتبارها دول عربية تحت احتلال تركي، والآن ستشارك الدول نفسها وغيرها، للتدخل عسكريا تحت راية الطائفية السنية.

العرب تعرضوا لخديعة كبرى في اتفاقات “سايكس بيكو” الاولى، وما زالوا يدفعون ثمن تلك الخديعة، فكيف سيكون حجم الخسائر التي ستترتب على الخديعة الطائفية الجديدة؟. الخسائر ستكون ضخمة، والخديعة القادمة اكبر، والايام بيننا.

عبد الباري عطوان: الازمة السورية تورط تركيا وروسيا وامريكا وايران

لندن|

تتدفق الطائرات الحربية الى سورية من مختلف انحاء العالم ولعل الدولة الوحيدة التي لم تساهم حتى الآن في هذا الحجيج هي دولة بنغلاديش، ولا نعرف اسباب هذا “الزهد” من حكومتها في النأي بنفسها عن هذا المجهود الحربي.

الازمة بدأت منذ خمس سنوات سورية بحته محصورة في هدف واحد هو اسقاط نظام الرئيس السوري بشار الاسد من قبل معارضة بدأت مدنية وانتهت مسلحة، ولكنها بدأت تفرخ ازمات اقليمية ودولية قد تنتهي بحروب تنسي الجميع الازمة الاصلية.

***

حتى لا نتهم بالتعتيم، نشير الى ثلاث ازمات بدأت تطل برأسها بقوة، ويمكن ان تتطور الى صدامات دموية تنجر اليها دول صغرى وعظمى:

الاولى: توتر كبير يتصاعد حاليا بين تركيا وامريكا من ناحية، والعراق وايران وروسيا من ناحية اخرى، بعد ارسال اكثر من 300 جندي تركي مدعومين بـ 150 دبابة الى محافظة نينوى (الموصل)، السيد حيدر العبادي رئيس وزراء العراق اعتبر هذه الخطوة استفزازية وانتهاك لسيادة العراق، واعطى تركيا مهلة مدتها 48 ساعة لسحبها، والا فانه “سيحتفظ بحق بلاده في اللجوء الى اي رد ممكن، بما في ذلك اللجوء الى مجلس الامن الدولي، بينما طلبت لجنة الامن والدفاع في مجلس النواب العراقي برئاسة حاكم الزاملي بقصف القوات التركية “الغازية” جوا.

الثانية: اقدام طائرات التحالف الامريكي بقصف معسكر للجيش السوري (الصاعقة) في ريف دير الزور الغربي نتج عنه مقتل ثلاثة جنود، الجميع اكد ان الغارة كانت امريكية بما في ذلك السيد رامي عبد الرحمن رئيس المرصد السوري المرضى عنه امريكيا واوروبيا، الذي قال في بيان “انها المرة الاولى التي يتكبد فيها النظام خسائر بشرية جراء قصف جوي من الائتلاف، لكن المتحدث باسم هذا الائتلاف نفى هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، وقال “لم ننفذ اي ضربات في هذا الجزء من دير الزور، وقصفنا آبار نفط على بعد 55 كيلومترا عنها.

الحكومة السورية قررت التقدم بشكوى الى مجلس الامن الدولي احتجاجا على هذا العدوان الذي يشكل انتهاكا لسيادتها، واذا كان التحالف لم يكن خلف هذه الغارة فمن يكون؟ فـ”الدولة الاسلامية” وباقي فصائل المعارضة المسلحة لا تملك طائرات ولا صواريخ جو جو؟، “طير ابابيل” مثلا؟

الثالثة: ازمة تهريب نفط “الدولة الاسلامية” واندلاع “حرب كلامية” بشأنها بين ايران والعراق وروسيا من ناحية، وتركيا من ناحية اخرى، الدول الثلاث تتهم تركيا بلعب دور كبير في تسهيل مرور وتسويق نفط هذه “الدولة”، وتبنت ايران الرواية الروسية في صيغتها الاولى التي تتهم الرئيس التركي رجب طيب اردوغان شخصيا واحد ابنائه، وصهره في تجارة النفط المهرب هذا، وهي تهم اثارت غضبه لدرجة انه اتصل بالرئيس الايراني حسن روحاني شخصيا وهدده، بأن بلاده ستدفع ثمنا باهظا اذا استمرت اجهزة الاعلام الايرانية في ترديد هذه المزاعم الكاذبة، التهديد اعطى مفعوله فورا، وتوقفت حملة الاتهامات الايرانية ضد اردوغان واسرته، ولكن دخول السيد العبادي رئيس وزراء العراق على الخط وتكرار الاتهامات نفسها صب المزيد من الزيت على نار الازمة وزاد من اشتعالها.

الحكومة الامريكية حليفة الرئيس اردوغان تدخلت وادلت بدلوها في هذه المناكفات، وقالت ان كميات نفط “الدولة الاسلامية” التي تمر عبر الاراضي التركية قليلة، معترفة بهذه الاتهامات جزئيا على الاقل، بحيث انطبق عليها المثل الذي يقول “جاء يكحلها عماها”.

ومن المفارقة ان ازمة نفط “الدولة الاسلامية” تتزامن مع ازمة منظمة “اوبك” التي فشل اجتماعها الاخير في فيينا في السيطرة على انتاج النفط وصادراته، بسبب الخلاف الايراني السعودي الذي انعكس على مداولات وزرائها، والنتيجة حدوث انهيار جديد للأسعار، حيث انخفض سعر برميل النفط الى ما دون حاجز الاربعين دولارا، وهناك تكهنات بأنه قد يصل الى الثلاثين دولارا، في حال ما بدأت ايران في ضخ مليون برميل اضافي مثلما تخطط.

“الدولة الاسلامية” تتابع هذه التطورات التي تعني فألا سيئا لها، باعتبارها دولة منتجة ومصدرة للنفط، في وقت بدأت ميزانيتها تواجه عجوزات كبيرة بسبب انخفاض الاسعار اولا، وضربات الحلفاء الغربيين والروس معا لتبرير آبارها ومصافيها، وضرب قوافل الشاحنات التي تنقل نفطها الى المشترين سواء في دمشق او انقرة او ما بعدهما، واذا استمر حال التدهور هذا لمنظمة “اوبك” فمن غير المستبعد ان تتخلى “الدولة” عن طموحاتها المستقبلية في قبول عضويتها.

***

نكتب بسخرية لان المشهد السوري بات حافلا بكم هائل من الالغاز و”اللوغاريتمات” التي تستعصي على الفهم، فَهمنا نحن على الاقل، فلم نعد نعرف من يضرب من، ومن يعادي من، ومن هو الصديق ومن هو العدو، فخريطة الضربات تتغير بسرعة، ومعها خرائط التحالفات، وادوار اللاعبين الاساسيين والثانويين معا.

لا نعرف كيف ستنتهي الازمة بين تركيا والعراق على ارضية “الغزو” البري لقوات الاولى، مثلما لا نعرف الى اي مدى ستتطور ازمة اسقاط الطائرة الروسية من قبل الاولى، اي تركيا، ولا كيف سيتم حسم ازمة تهريب نفط “الدولة الاسلامية” بين تركيا ومعظم الاطراف الاقليمية، ثم كيف سيكون الردين الروسي والسوري على غارة طائرات التحالف واطلاقها تسعة صواريخ على موقع للجيش السوري في دير الزور.

ما نعرفه، ومتأكدون منه، ان التوتر تتصاعد وتيرته بسرعة فائقة، والاحتقان المتضخم في اكثر من ازمة من الازمات الثلاث ينتظر عود الثقاب فقط لكي ينفجر.. والانفجار قادم حتما، والخلاف هو حول حجمه، واخطاره، وضحاياه فقط.

عطوان: خلاف سعودي مصري حول سوريا والمعلم قد يكون ضيف السيسي القادم

لندن|

يتدفق المسؤولون السوريون الواحد تلو الآخر، الى العاصمة المصرية هذه الايام في وتيرة متسارعة، في وقت تزداد حدة البرود التي تسود العلاقات السعودية المصرية على ارضية الخلافات حول كيفية التعاطي مع الملف السوري، فالقاعدة المتبعة تقول، كلما اقتربت القاهرة من دمشق، كلما ابتعدت عن الرياض بالقدر نفسه من المسافة، ان لم يكن اكثر.

نحن الآن امام مثلثين يتبلوران اقليميا وعربيا بشكل تدريجي، الاول تركي سعودي قطري مدعوم امريكيا، والثاني مصري اماراتي اردني يحظى بمباركة روسية.

صحيح ان هناك تداخلا بين بعض اضلاع المثلثين في بعض قضايا المنطقة، فالفاصل هنا يتسم بالمرونة، كما ان هناك ارضية مشتركة بينهما في بعض الحالات، وهي العداء لـ”الدولة الاسلامية” مثلا، والاستعداد للدخول في تحالف مشترك لشن الحرب عليها باعتبارها خطرا يهدد الجميع، مع الاعتراف بأن المثلث التركي القطري السعودي الاقل حماسا، والاكثر تلكؤا، في هذا الصدد لاعتبارات طائفية مرحلية على الاقل.

***

بالامس وصل الى القاهرة السيد محمد وليد غزال وزير الاسكان والتنمية العمرانية السوري، في اول زيارة لوزير سوري منذ قطع الرئيس محمد مرسي العلاقات في حزيران (يونيو) عام 2013، ولحقه اليوم الاحد طراد صالح السالم المدير العام للشركة السورية للنفط على رأس وفد كبير، وكان اللواء علي المملوك مسؤول الامن القومي الاعلى في سورية قد زار القاهرة قبل شهرين، والتقى الرئيس عبد الفتاح السيسي ومسؤولين آخرين.

من المؤكد ان الرياض لن تنظر بعين الرضا الى هذا التقارب المتسارع، وسترى فيه تعارضا مع سياستها التي عبر عنها وزير خارجيتها السيد عادل الجبير اكثر من مرة، وتؤكد على حتمية رحيل الرئيس بشار الاسد سلما او حربا.

ولوحظ ان تبادل “القصف الكلامي” بين الاعلامين السعودي والمصرين في الاسابيع الاخيرة يعكس وجود خلافا بين الحليفين اللصيقين حتى بداية العام الحالي، قبل ان تتوجه الرياض الى الحلف القطري التركي مع تولي العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز الحكم.

التقارب السعودي مع كل من قطر وتركيا اللتين تتهمان باحتضان حركة “الاخوان المسلمين” يسبب حساسية عالية لدى النظام المصري، ورفض القيادة المصرية المشاركة في التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية في اليمن، رغم المساعدات المالية الضخمة التي تقدر بحوالي 20 مليار دولار، وتحفظها على تعاون هذا التحالف مع حزب الاصلاح اليمني، الذي يعتبر ذراعا لحركة “الاخوان”، يسببان “فتورا” سعوديا تجاه العلاقات مع القاهرة، فالحرب التي تقودها السعودية في اليمن حاليا، وتدخل شهرها التاسع تعتبر “التيرموميتر” الذي تقيس من خلاله علاقاتها مع الدول العربية سلبا او ايجابا، وتتبنى على اساسه مبدأ الرئيس بوش الابن “من ليس معنا فهو ضدنا”.

هناك قضايا مسكوت عنها في العلاقات بين البلدين تفوق مسألة التراشق الاعلامي، فالمخابرات المصرية طلبت توضيحات رسمية من نظيرتها السعودية عن اسباب وخلفيات زيارة قام بها الفريق سامي عنان رئيس هيئة اركان الجيش المصري السابق الى الرياض ولقائه ببعض المسؤولين، قبل شهر تقريبا، فردت الرياض بأنها زيارة شخصية وخاصة، ولكن هذا الجواب لم يهبط بردا وسلاما على قلب الرئيس السيسي الذي يرى في الفريق عنان خصما لدودا، وبديلا محتملا، لما يحظى به الاخير من دعم من واشنطن، التي تنظر بعين الريبة الى العلاقات المصرية الروسية المتسارعة.

واذا اردنا ان نعرف طبيعة التحالفات في المنطقة العربية، ومكان مصر فيها، فما علينا الا متابعة تصريحات السيد نبيل العربي امين عام الجامعة العربية، كأحد “التيرموميترات” في هذا الصدد، فالسيد العربي الذي يميل حيث تميل رياح السياسة المصرية، ووزارة الخارجية بالذات، اقدم على خطوة لافتة اليوم الاحد عندما ادان بقوة التدخل العسكري التركي في العراق، ووصفه بانه تدخل “سافر” في اراضي دولة عربية يتعارض مع كل المواثيق الدولية وقرارات الامم المتحدة، والمفاجيء ان السيد العربي اقدم على هذه الادانة المحسوبة بعناية اثناء كلمته في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر مؤسسة الفكر العربي الذي يتزعمها الامير السعودي خالد الفيصل امير منطقة مكة، ولا نعتقد ان السيد العربي كان يمكن ان يقدم على هذه الادانة في زمن الرئيس محمد مرسي.

تصريحات وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس التي قال فيها “ان الوصول الى سورية موحدة يتطلب انتقالا سياسيا لا يجب ان يعني رحيل الرئيس الاسد”، وتلويح جون كيري وزير الخارجية الامريكي غير المسبوق الذي تحدث فيه “عن امكانية التعاون مع الجيش السوري لمحاربة داعش”، ربما توفر مجتمعة او منفردة الغطاء للسلطات المصرية في انفتاحها المتسارع على دمشق ورئيسها.

***

مؤتمر المعارضة السورية الذي ينعقد في الرياض الثلاثاء المقبل قد يظهر الخلافات المصرية السعودية في الملف السوري الى العلن، ولعل المقال الذي نشره الدكتور هيثم مناع في هذه الصحيفة “راي اليوم” في زاوية “كتاب وآراء”، وهو الذي يمثل مجموعة “مؤتمر القاهرة” السورية “الليبرالية” المقربة من السلطات المصرية، ولمح فيه الى احتمال انسحابه لاستبعاد حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، والجيش الديمقراطي السوري، ومشاركة ممثلين عن جماعات تحمل ايديولوجية القاعدة (احرار الشام)، وربما يكون قمة جبل الثلج في الخلافات السعودية المصرية.

اليوم يزور السيد غزال وزير الاسكان السوري القاهرة، ولا نستبعد ان يكون الضيف الثاني على قاهرة المعز السيد وليد المعلم شيخ الدبلوماسية السورية، للتمهيد ربما لزيارة الاسد، ولا نستبعد ان يكون السيد العربي على رأس مستقبليه في مطار القاهرة، او في اروقة الجامعة العربية التي جمد عضوية بلاده فيها، الم يقل قبل بضعة اشهر انه مستعد للقاء وزير الخارجية السوري في اي مكان او زمان يحدده الاخير؟

الرئيس الاسد اجاب على سؤال وجهته له مندوبة صحيفة “الصنداي تايمز البريطانية، عما اذا كان سيلبي دعوة لزيارة الرياض للتباحث حول الملف السوري في حال وجهت اليه بقوله “لا مستحيل في عالم السياسة”، وهذه العبارة تعكس الانقلابات المتسارعة والخطيرة في مواقف العديد من الدول بعد تفجيرات باريس، والتدخل العسكري الروسي في سورية، واسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية.

المشهد السوري يتغير بشكل متسارع على كل الصعد، وتتغير معه تحالفات، وتختلط الاوراق وتنشأ تحالفات جديدة، وتنقرض قديمة، والايام والاسابيع المقبلة حافلة بالمفاجآت، وسنستمر في رصدها وتحليلها، وليس لنا اي خيار آخر.

عطوان: أين الحكام “النواطير” العرب.. اجواؤنا مستباحة.. واهلنا يذبحون

لندن|

ارضنا العربية باتت مستباحة.. اجواؤنا منتهكة من قبل طائرات من كل الجنسيات، ونتحدى ان يعرف احد عددها.. الدماء العربية والاسلامية الطاهرة تتدفق مثل الشلالات.. شهداؤنا بلا ارقام، ولا اكفان.. لا جنازات ولا معزون.

صواريخ هي الاحدث.. قنابل “ذكية”.. واخرى غبية.. وقوات خاصة امريكية.. واخرى روسية.. وثالثة بريطانية.. ورابعة فرنسية.. الجميع يقتل ويذبح ويقذف بحممه فوق رؤوس اهلنا، ولا احد يحتج او يعارض او يعترض.. وكأن قتل العرب والمسلمين بات حلالا زلالا.. واراضينا مشاعا بلا رحمة.. ولا سيادة.

***

كل هذا الذبح والدمار يتم تحت عنوان واحد، وهو محاربة “الدولة الاسلامية” واجتثاثها، مثلما “اجتثوا البعث” في العراق، ومعه الوحدة الوطنية، والتعايش والكرامة الانسانية، وكرسوا التفتيت الجغرافي والطائفي والعرقي.

نحن الآن امام مؤامرة كبيرة لتمزيق الجثة العربية الهامدة، نتابعها ونحن مفتوحي الاعين، بل والاخطر من ذلك ان “زعماءنا” يشاركون فيها ويمولونها من اموالنا ونفطنا وثرواتنا.

سوريا تتعرض للتقسيم بين الشرق والغرب، الروس والامريكان، تماما مثلما حصل لألمانيا وكل دولة عظمى او شبه عظمى تريد قطعة منها، وسنفيق في يوم قريب على سورية الشرقية، وسورية الغربية، ودمشق الشمالية، ودمشق الجنوبية، ولا نستبعد بناء حوائط واسوار، مثل سور برلين، يكرس هذا التقسيم لعشرات السنوات المقبلة، فهذا هو المصير الذي ينتظر جميع دولنا ومدننا، ونحن في بداية البدايات فقط.

لا نفهم لماذا كل هذا السعار العسكري ضدنا.. ونسأل من ستقتل هذه الطائرات وصواريخها التي تزدحم بها اجواء سورية والعراق في الوقت الراهن، وكم عدد الشهداء.. نرجوكم اعطونا رقما واحدا.. ام ان شهداءنا بلا ارقام، وآلة القتل التي تحصد ارواحهم بلا عدادات، لانهم عرب ومسلمين تماما مثل شهداء العراق وليبيا واليمن وسورية؟

لا يمكن ان نصدق ان ستة آلاف غارة جوية شنها التحالف للقضاء على “الدولة الاسلامية” في العراق وسورية لم تقتل ابرياء، وان جميع قتلاها فقط من مقاتلي “الدولة الاسلامية” فلماذا لا ينتبه احد الى هذه الحقيقة المأساوية، ولماذا يعتم عليها اعلامنا العربي؟

هل من المنطق تصديق الدعاية الغربية، والعربية المتواطئة، التي تقول ان هذه الغارات المستمرة منذ عام لم تدمر الا مواقع “الدولة الاسلامية” وكيف؟ فعلى حد علمنا لا يوجد لأبو بكر البغدادي قصرا مثل الاليزيه، ولا قواعد عسكرية لدولته مثل نظيراتها الامريكية والفرنسية والبريطانية في دول الخليج؟

ثم من الذي خلق الحاضنة لـ”الدولة الاسلامية” في سوريا والعراق، اليس هؤلاء الذين يتسابقون للقضاء عليها عندما بذروا بذور الطائفية والتهميش، وغزوا، واحتلوا بلداننا، واذلوا جيوشنا، واغتالوا علماءنا، ودمروا بنيانا التحتية؟

ديفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا يحرض برلمانه على التصويت لتوسيع مهمة طائراته لضرب اهداف في سوريا بعد العراق، ولا يعترض على ذلك غير نواب بريطانيين وليس عربا.

ووزير الدفاع الامريكي اشتون كارتر يعلن صراحة عن ارسال قوات امريكية خاصة الى العراق لمساعدة القوات العراقية والبشمركة الكردية على قتال “الدولة الاسلامية”، ويرد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بأنه لم يتم التشاور معه حول هذه الخطوة، ويؤكد انه لا يريد قوات امريكية او غير امريكية.

السيد العبادي يعتقد انه يتربع على عرش دولة مستقلة ذات سيادة، ويستطيع ان يقبل هذا، ويرفض ذاك، وينسى انه مثل الغالبية الساحقة من الزعماء العرب، مجرد “ناطور” للاحتلال الاجنبي لبلاده الذي ساهم وغيره في تشريعه، وفتح ابواب العراق امامه.

***

كلهم “محمود عباس وكلهم حميد كرزاي، مجرد ادوات، بلا كرامة، ولا سيادة، ولا قرار مستقل، وينفذون اوامر “الاحتلال” ويسخرون ثروات بلادهم في خدمة تكريسه وتدعيم اسسه، وتعميق جذوره.

نكتب بعاطفة مرة اخرى لان ما يجري في بلادنا العربية لا يمكن ان يستقيم بلغة العقل والمنطق، فنحن جميعا سبايا لمخطط شرقي غربي لاذلالنا، واستعبادنا، ونهب ثرواتنا.

رحم الله جميع شهدائنا، من سقط منهم ومن هو في طريقه للسقوط.. ورحم الله امة كانت في يوم من الايام عزيزة كريمة، ومفخرة بين الامم.