أرشيف الوسم : عبد الباري عطوان

عطوان: اليمنيون لا يعرفون الانسحاب ومطالب متزايدة بوقف بيع الاسلحة للسعودية

عبد الباري عطوان|

باتت الحرب في اليمن التي تشنها “عاصفة الحزم” السعودية منذ 17 شهرا تشكل صداعا بالنسبة الى المملكة، ليس بسبب الخسائر المالية والبشرية المتفاقمة التي تسببت بها، وانما ايضا على صعيد سمعتها ومكانتها العالمية، واحتمالات تعرضها لملاحقات قانونية بتهم جرائم الحرب.

بعد قرار منظمة “اطباء بلا حدود” سحب اطقمها الطبية، ووقف عملياتها في ست مستشفيات تشرف عليها في شمال اليمن احتجاجا على قصف الطيران السعودي لها، وقتل واصابة العشرات من المرضى والزوار، ها هي منظمة “مراقبة بيع الاسلحة” الدولية تطالب الدول العظمى المصدرة للاسلحة، ومن بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وقف بيع الاسلحة الى السعودية، والغاء جميع الصفقات الموقعة معها في هذا المضمار بسبب عملياتها الحربية في اليمن التي تقتل المدنيين وترتقي الى مستوى جرائم حرب.

هذه الدعوة غير المسبوقة جاءت خلال مؤتمر عقدته في جنيف امس منظمة التجارة العالمية، الذي يعتبر الثاني حول تجارة الاسلحة، ووصفت السيدة اما ماكدونالد، المتحدثة بإسم المنظمة الدول التي تبيع صفقات اسلحة الى السعودية “بممارسة” اسوأ انواع “النفاق”، وشاركتها الموقف نفسه منظمة “اوكسفام” العالمية التي حذرت بريطانيا بأن مصداقيتها في خطر اذا فعلت الشيء نفسه.

هذه الحملة الدولية التي بدأت تزداد شراسة، قد تؤدي الى وضع المملكة العربية السعودية على القائمة السوداء، والغاء صفقة اسلحة فرنسية بقيمة 18 مليار دولار، وقعها الامير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، وزير الدفاع، اثناء زيارته لفرنسا قبل بضعة اشهر، وصفقة امريكية مماثلة بقيمة 6 مليار دولار، وثالثة بريطانية بحوالي 4 مليارات دولار.

لا يخامرنا ادنى شك بأن هذه الحملة تأتي في اطار الضغوط التي تمارسها الدول الكبرى على المملكة من اجل وقف حرب “عاصفة الحزم”، وليس وقف صفقات الاسلحة، لانها، اي الصفقات، تشكل مصدرا مهما لدعم صناعة السلاح في هذه الدول، واعادة تدوير العوائد النفطية السعودية، ولكن المشكلة تكمن في صعوبة العثور على مخرج مشرف للقيادة السعودية من حرب الاستنزاف هذه التي تورطت، او جرى توريطها فيها، وجرّت معها دول خليجية وعربية اخرى، في ما عرف لاحقا باسم “التحالف العربي”.

مفاوضات الكويت للبحث عن حل سياسي لحرب اليمن انهارت بعد 99 يوما، والتحالف “الحوثي الصالحي” يمضي قدما في تثبيت اوضاعه الداخلية بتكريس المصالحة الوطنية، وتقديم “شرعية” بديلة تتمثل في المجلس السياسي الاعلى، وتشكيل حكومة، واعادة تفعيل مؤسسات الدولة وهياكلها، وخاصة البرلمان المنتخب.

وقف صفقات الاسلحة للسعودية، وفي مثل هذا التوقيت، يعني صدمة كبيرة لها، لانها بحاجة الى هذه الصفقات لسببين: الاول، تعويض ما خسرته من ذخائر ومعدات عسكرية على مدى الـ17 شهرا الماضية من عمر الحرب، والثاني، شراء اسلحة متقدمة، طائرات ودبابات وصواريخ في محاولة للاسراع بحسمها.

وربما يكون الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لا يحتاج الى تصديق البرلمان على صفقة الـ 18 مليار دولار التي وقعها مع الامير محمد بن سلمان، لكن الادارة الامريكية تحتاج الى مصادقة الكونغرس على صفقة الـ 6 مليار دولار، وتتضمن دبابات ابرامز وطائرات وذخائر، والشيء نفسه يقال ايضا في الصفقة البريطانية، وسحب الادارة الامريكية لمجموعة من مستشاريها العسكريين كانوا ينسقون مع القوات المسلحة السعودية، وقيادة “عاصفة الحزم”، وعملياتها في اليمن لا يشكل “فألا” طيبا لهذه القيادة.

السعودية تعيش “مأزقا” في اليمن، يتواضع امامه مأزق عراق الرئيس صدام حسين في الكويت عام 1990، الذي استدعت القيادة السعودية في حينها نصف مليون جندي امريكي لاخراجه منها، فلم يعد امامها الا احد خيارين: الاول، ان تعلن الانسحاب من جانب واحد من الحرب في اليمن تقليصا لخسائرها، والثاني، ان تستمر في هذه الحرب حتى النهاية، اي استعادة مدينة صنعاء، ومدن اخرى مثل تعز، وفي هذه الحالة عليها ان تنتقل الى مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو كيفية الحفاظ على هذه المدن، وحفظ الامن فيها، ومواجهة حرب عصابات من قبل رجال التحالف “الحوثي الصالحي” والقبائل المتحالفة معها، وفوق هذا وذاك سيتم وصف وجودها في صنعاء بأنه “احتلال” يستدعي “المقاومة” لانهائه.

القيادة السعودية حاولت الانسحاب مبكرا من هذه الحرب عندما اعلنت انتهاء “عاصفة الحزم”، والاعلان عن تحقيق اهدافها، واستبدالها بـ”اعادة الامل”، ولكن هذه الخطوة لم تكن “مقنعة”، وعادت طائرات “عاصفة الحزم” لقصف اهداف يمنية بطريقة عشوائية مثل المستشفيات والمدارس والاعراس، ومزارع الدجاج، لانها لم تعد تجد ما يستحق القصف من اهداف عسكرية.

شخصية سعودية زائرة لمدينة لندن، وقادمة من مدينة نجران، نعتذر عن ذكر اسمها لاسباب معروفة، اكدت لنا ان الحرب الحقيقة تجري الآن في جنوب المملكة، حيث التوغلات للقوات الحوثية في جازان ونجران وعسير، واقدام السلطات السعودية على تهجير قصري لآلاف العائلات حماية لارواحهم من جراء القصف الصاروخي وبمدافع الهاون والمورتر.

لا مفاوضات سلام في الكويت او غيرها، ولا “تحرير” وشيك لصنعاء، ونقل بطاريات باتريوت الى الجنوب للتصدي للصواريخ الباليستية القادمة من اليمن وتزداد اعدادها بإضطراد، وحملات شرسة من المنظمات الانسانية الخيرية الدولية التي تتهم المملكة بقتل الاطفال والمدنيين، وضغوط لوقف بيعها صفقات اسلحة، ونزيف مالي متصاعد في وقت تتآكل فيه ارصدة المملكة بسرعة، وتتآكل معها عوائد النفط لانخفاض اسعاره.

كلمة “مأزق” تبدو متواضعة جدا في وصف هذا النفق السعودي المظلم، الذي لا يوجد بصيص ضوء في نهايته حتى الآن، والاهم من ذلك انه يبدو نفقا اطول بكثير مما يتوقعه الكثيرون، بما في ذلك صناع القرار في المملكة، اما اليمن فهو في وضع اقل سوءا، لانه امتص الصدمة، وبدأ يتعايش مع الحرب، مثل اللبنانيين والعراقيين من قبله، ويرتب اوضاعه الداخلية، وما مظاهرة ميدان السبعين المليونية التي بايعت الحلف “الحوثي الصالحي”، واتفاق الشراكة الذي توصل اليه، وتأكيد الاصرار على مواصلة الحرب ضد السعودية وعاصفتها الجوية والارضية، الا بعض المؤشرات على ما نقول.

صحافي يمني زائر الى لندن، قال لنا “انتم لا تعرفون اليمن واليمنيين، هذا المقاتل اليمني كل ما يحتاجه هو قارورة مياه، وكمية من الشعير داخلها، وبضعة حبات من التمر، ومستعد ان يعيش عليها شهرا كاملا.

احد المقربين من “حزب الله” اللبناني، قال لي انه عندما جاءت دفعة اليمنيين الى الجنوب للانخراط في دورات عسكرية تدريبية، فوجئ المدربون بأنهم عندما بدأوا يشرحون لضيوفهم “تكتيكات” الانسحاب في جبهات القتال، فوجئوا باليمنيين يصيحون وقد بدت على وجوههم علامات العتب والغضب، لا تدربونا على الانسحاب، فهذه اهانة لنا، دربونا فقط على اعمال التقدم، نحن نعتبر الانسحاب اهانة، والله اعلم.

عطوان: العرس تركي والمعازيم اتراك وأردوغان بعد الانقلاب سيكون مختلفا

عبد الباري عطوان|

الانقلاب العسكري في تركيا فشل لان التجربة الديمقراطية باتت عميقة في البيئة التركية، واثبتت نجاعتها، واعطت اؤكلها من الاستقرار والامن والنمو الاقتصادي، ووضعت البلاد في مصاف الدول الاقليمية العظمى، ولكن تركيا أردوغان بعد الانقلاب ستكون مختلفة عما قبلها، وستتغير حتما، وفقا لاعتبارات جديدة اطلت برأسها، وتفرض ارثها حتما في الايام والاشهر المقبلة.

ان تتحالف المعارضة مع السلطة، الجيش مع الشعب، اعداء أردوغان مع حلفائه في مواجهة الانقلاب، فهذا اصطفاف في خندق الديمقراطية، وليس خلف الحكومة فقط، وهذا هو الدرس الاول الذي يجب ان يستوعبه الرئيس اردوغان الى جانب دروس عديدة غفل عنها، او تجاهلها، في السنوات الخمس الاخيرة على الاقل، والا فان البلاد ستقدم على هزات اخرى كبيرة كانت او صغيرة.

الرئيس اردوغان الذي وضع كل السلطات التنفيذية والتشريعية بين يديه، وتغول في قمع المعارضة، ووسائل الاعلام التقليدية والاجتماعية، يجب ان يدرك الآن انه في ذروة الازمة وجد انها الداعم الحقيقي له، حيث لجأ الى وسائل التواصل الاجتماعي من “فيسبوك” و”تويتر” وانترنت، التي اغلقها في فترة ما، ولم يجد الا محطة “سي ان ان” التركية عونا له لبث اول خطاب له بعد ان استولى الانقلابيين على المحطة الحكومة TRT.

الجيش التركي الذي تصدى للانقلابيين، وقال رئيسه ان زمن الانقلابات قد ولى الى غير رجعة في اول خطاب له، اكد مرة اخرى انه العمود الفقري لاستقرار البلاد وامنها، والحارس الحقيقي الضامن للعملية السياسية الديمقراطية، وموقفه هذا اعاد ثقة الشعب التركي به مجددا، واصبح يحظى بمكانة وطنية عالية، ربما تتقدم على التعددية الحزبية، الامر الذي يحتم على الرئيس اردوغان او غيره، وضع هذه المسألة في عين الاعتبار، من حيث التشاور مع قيادته والتنسيق معها قبل الاقدام على اي مغامرات سياسية او عسكرية، تعرض البلاد وامنها ومصالحها للخطر.

لا نتفق مع الآراء التي تقول بأن الرئيس اردوغان سيخرج اقوى من محاولة الانقلاب الفاشلة هذه، بل نعتقد انه اضعف بكثير من اي وقت مضى، ولا نبالغ اذا قلنا انه ادرك ان سياساته الاخيرة، الاقليمية والدولية، باتت تعطي نتائج عكسية، وتشكل خطرا على تركيا، ولذلك قرر التراجع عن معظمها بالعودة الى سياسة صفر مشاكل مع الجيران، وفتح قنوات حوار مع خصومه في سورية وروسيا والعراق ومصر، واسرائيل، لامتصاص حالة الاحتقان، وتجنب الغضبين العسكري والشعبي.

المؤسسة العسكرية التركية التي تعرف جيدا خطورة المغامرات العسكرية غير المحسوبة، مثلما تدرك ايضا حجم الخسائر المادية والبشرية التي تترتب عليها هي التي دفعت وتدفع بالتطبيع مع موسكو، والانضمام الى معسكر محاربة الارهاب بجدية، وليس كلاما، مثلما تعرف ايضا ابعاد المخطط الحالي الذي يريد تفتيت المنطقة، وسيصل الى تركيا حتما، واول الغيث اقامة كيان كردي.

التقارب مع سورية ومصر قد يتسارع في الاسابيع القليلة القادمة، وتصريح بن علي يلدريم رئيس وزراء تركيا قبل يومين من الانقلاب، حول رغبة حكومته في استعادة العلاقات مع دمشق، كان مؤشرا مهما، واستدعاء وزارة الخارجية التركية للمسؤولين عن قنوات المعارضة المصرية القريبة من حركة “الاخوان المسلمين”، وابلاغهم بضرورة التوقف عن الهجوم على مصر ودول خليجية اخرى من الاراضي التركية تحول مهم ينطوي على بدء الاستجابة للشروط المصرية لتطبيع العلاقات بين البلدين.

الوضع الاقتصادي القوي الذي كان “درة تاج” العصر الاردوغاني يتضعضع اكثر فأكثر، والهزات الامنية المتتالية التي نجمت سواء عن تفجيرات “الدولة الاسلامية” في العمق التركي، او هجمات حزب العمال الكردستاني المعارض، او اخيرا بسبب الانقلاب العسكري الفاشل، دمرت صناعة السياحة التركية التي تدر 36 مليار دولار سنويا، وانعكست سلبا على صورة تركيا كواحدة من اكثر بلدان الشرق الاوسط استقرارا، وبالتالي اكثرها جذبا للاستثمارات الخارجية والداخلية معا.

من السابق لاوانه الجزم بأن الخطر المحدق بتركيا انتهى بفشل الانقلاب، فهذا الخطر المدعوم من قبل قوى خارجية وداخلية ما زال قائما، ولا نعتقد ايضا ان الشعب التركي الذي توحد معظمه خلف الحكومة في مواجهة الانقلاب وحفاظا على الديمقراطية، سيقبل مستقبلا بالقمع ومصادرة الحريات والسياسات الاقليمية والدولية التي تتسم بالارتجال والتسرع والانفعالية.

خطر الارهاب ما زال قائما، وربما يتصاعد، والتمرد العسكري قد يكون تلقي ضربة قوية، ولكن نيرانه قد تكون تحت الرماد، وسلطة العسكر تعززت اكثر، وباتت تنافس الاحزاب السياسية، والحزب الحاكم بالذات، على الفوز بثقة الشعب وقلوبه، وهذا تحول خطير وغير مسبوق، في الحياة السياسية التركية.

لا نريد ان نتسرع في احكامنا، ونتوسع في تحذيراتنا، ونجد لزاما علينا ان ننبه العرب الذين تنفسوا الصعداء بعد توالي انباء فشل الانقلاب، بأن يتريثوا ويلتقطوا انفاسهم، لان ما يجري في تركيا مسألة داخلية ليس لهم علاقة بها، وربما تأتي النتائج معاكسة لآمالهم ورغباتهم، لان التغيير في السياسات والتوجهات والمواقف بات حتميا.

عارضنا الانقلابات العسكرية في كل مكان دون اي استثناء، ومن الطبيعي ان نعارض بقوة هذا الانقلاب العسكري في تركيا، انطلاقا من ايماننا بالديمقراطية واحكام صناديق الاقتراع، وليس انحيازا الى طرف ضد آخر، والديمقراطية التي نؤمن بها، لا يمكن ان تأتي على ظهر طائرات حلف الناتو، والقوات الخاصة الامريكية والفرنسية والبريطانية، وانما الديمقراطية الوطنية التي تقوم على التعايش والعدالة الاجتماعية، واعلاء راية الامة والعقيدة.

المؤسسة العسكرية التركية احبطت محاولة انقلاب جاءت من صلبها بيد من حديد، لأنها تضع مصلحة تركيا وامنها واستقرارها فوق كل الاعتبارات الاخرى، ولهذا التقت مع الشعب على قلب رجل واحد، وعلى مؤسساتنا العسكرية وجيوشها استيعاب هذا الدرس جيدا، فالعرس تركي والمعازيم اتراك، والمصلحة تركية، ولا عزاء للاغراب، والعرب على رأسهم.

عطوان: بوهلال ضحية سياسات خاطئة وهولاند تسرع في وصفه بـ”ارهاب اسلامي”

عبد الباري عطوان|

تشير اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” باعتبارها التنظيم الذي يقف خلف الهجوم الارهابي الذي وقع فجر الجمعة في مدينة نيس الفرنسية، واسفر عن مقتل 84 شخصا من جنسيات متعددة، علاوة على اصابة المئات، لان المنفذ محمد لهوج بوهلال التونسي الاصل، اقدم على عملية دهس للمصيفين على الكورنيش، مما يذّكر بهجمات مماثلة وقعت في لندن ومدن غربية اخرى، ولكن يظل هذا التوصيف مجرد احد الاحتمالات الاكثر ترجيحا.

تاريخ المنفذ بوهلال لا يوحي مطلقا بالتطرف الاسلامي في الوهلة الاولى، وتاريخه الاجرامي، وسلوكه الشخصي، يؤكد هذه الحقيقة، ولذلك نختلف مع الرئيس الفرنس فرانسوا هولاند في وصف هذا العمل الاجرامي الذي اقدم عليه بوهلال بأنه ارهاب اسلامي، اي الصاق صفة الاسلام به، ونعتقد ان هذا التصنيف ربما يكون متسرعا، علاوة على كونه قد يؤدي الى نتائج عكسية دموية، ويصب في مصلحة الجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تبحث عن الذراع للانتقام من المسلمين الذين يزيد عددهم عن عشرة ملايين شخص يعيشون في اوروبا منذ عشرات السنين والغالبية الساحقة منهم تميل الى الاعتدال، والوسطية، والعيش المشترك، واحترام الامن وقوانينه.

لا  نجادل مطلقا بأن معظم الهجمات الارهابية التي استهدفت مدنا فرنسية واوروبية في الفترة الاخيرة، يقف خلفها مسلمون، بعضهم اعلن انتمائه، او تعاطفه مع “الدولة الاسلامية”، او اعلنت “الدولة” انها هي التي جندتهم، ولكننا لا نستبعد في الوقت نفسه، ان بعض من يقدم على هذا الارهاب مجرد عناصر يائسة تعاني من مشاكل نفسية واجتماعية، تعبر عنها بمثل هذه الطرق الدموية في لحظات اليأس والاحباط، وبوهلال ليس استثناء، بل ربما يكون عنصر تأكيد اضافي لهذه الشريحة الظاهرة.

كان لافتا ان بعض منفذي هجمات باريس وبروكسل يحملون خلفيات سلوكية انحرافية، وبعضهم، او بعضهن، يحمل تاريخه سجلا حافلا بالاجرام، وهؤلاء هم نتيجة صراع الهوية السياسية والدينية، وانفصام الشخصية الثقافية، الامر الذي يجعلهم الهدف الاسهل لشيوخ “الفيسبوك” و”التويتر” لتجنيدهم، وحثهم على “التوبة”، من خلال الاقدام على اعمال ارهابية كهذه، وما يؤكد ما نقول ان معظم اعمال التجنيد، والتحول الى العقيدة الاسلامية، تتم ايضا في السجون والمعتقلات، وهذا لا ينفي في الوقت نفسه ان هناك عناصر انتمت الى تنظيمات جهادية عن قناعة وايمان راسخ، وليس لها اي خلفيات اجرامية على الاطلاق.

الشرق الاوسط يعيش حاليا حالات حروب وتدخلات خارجية عسكرية، وتزدحم بعض اجوائه واراضيه بطائرات حربية حديثة، وقوات خاصة، ومليارات الدولارات، وعشرات الآلاف من اطنان الاسلحة والمعدات الحديثة، تتدفق لدعم تنظيمات مسلحة لاسقاط انظمة، وتغيير اخرى، ولمحاربة تنظيمات مسلحة باعتبارها الخطر الارهابي الذي يهدد المنطقة والعالم.

اولويات تتغير في غضون اشهر من النقيض الى النقيض، وحكومات “”تتوب” وتغير مواقفها فجأة عندما ينقلب سحرها عليها، ويبدأ الارهاب يضرب في عمق مدنها، ويحصد ارواح مواطنيها، ويدمر اقتصادها واعمدته، ودول عظمى تغير حلفاءها بين ليلة وضحاها، مثلما تغير تكتيكاتها واستراتيجياتها، وفي مثل هذه الاجواء والتقلبات، علينا ان نتوقع امتداد هذه الفوضى ارهابا في الغرب ومدنه وعواصمه.

ابو محمد العدناني، المتحدث باسم “الدولة الاسلامية” التي تواجه هجمات استئصال لها في العراق وسورية وليبيا، بدعم من قوى عالمية واقليمية هذه الايام، طالب ذئابه المنفردة، والجماعية، وخلاياه النائمة والنشطة، بالانتقام  من الغرب بتنفيذ تفجيرات واعمال قتل وارهاب، ولا نستغرب ان تكون هذه الموجة من العمليات الهجومية في اوروبا وامريكا، وفي دول اسلامية (تركيا، العراق) هي تجاوب لنداء الاستغاثة هذا الصادر قبل شهرين، واذا صحت هذه النظرية فإن هذا مبعث للتشاؤم، لان هذا يعني ان هذه “الدولة” لها انصار كثر، واخطر بكثير من كل التوقعات السابقة التي اكدت على لسان “خبراء” ضعفها وتراجع قوتها بعد خسارة عدة مدن في العراق وسورية وليبيا، مثل الرمادي وتدمر والفلوجة وسرت.

تاريخ بوهلال التونسي الشخصي لا يوحي حتى الآن انه سافر الى العراق او سورية، وقاتل في صفوف “الدولة”، او تدرب في قواعدها، حاله حال الكثيرين، ووسائل الاتصال الاجتماعي باتت الساحة الرئيسية للتدريب والتجنيد والتوظيف العقائدي، التي تغني عن ذلك، وكل اجراءات الرقابة التي تتعرض لها هذه الوسائل من قبل اجهزة مخابرات، لم تحقق الا نتائح محدودة فيما يبدو، او حتى الآن على الاقل.

مشهد الادانات والخطابات النارية، والاتهامات، وتحليلات المحليين انفسهم، كلها ستتكرر في الايام والشهور المقبلة، طالما تم الابتعاد عن جوهر الازمة،  وهو الحروب والتدخلات العسكرية الغربية في منطقة الشرق الاوسط والعالم الاسلامي، تحت مسميات واهداف متعددة.

السياسات الغربية هذه التي بدأت بالحروب في العراق وليبيا وسورية وافغانستان، وايا كانت مبرراتها، هي المولد والحاضنات الحقيقة للعنف والارهاب، وهي التي هيأت المناخ لبروز جماعات متشددة مثل “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، وقبلها حركات مثل “فتح” و”حماس و”الجبهة الشعبية”، والاخيرة كرد على الدعم الغربي للاحتلال الاسرائيلي.

حالة الاذلال التي تمارس على العالم الاسلامي من خلال حروب وتدخلات، ادت الى خلق اكثر من خمس دول فاشلة، وادخال التقسيمات الطائفية والعرقية، وحروبها لتمزيق الدول والمجتمعات، هي اساس الداء، والباقي اعراض جانبية.

من السهل على البعض ان يقول بالفم المليان انه “ارهاب اسلامي”، ويجد من يؤيد توصيفه هذا بالتصفيق والاعجاب والدعم، ولكن قلائل هم الذين يجرأون على ذكر اسباب هذا الارهاب وجذوره، ومن يوفر الذرائع لتمدده، بسياساتهم وخطاياهم، بل وتوجهاتهم العنصرية الاستكبارية، التي يدفع مئات الملايين ثمنها من دمهم واستقرار بلادهم.

الحلول “الترقيعية” لن تفيد مطلقا في القضاء على ظاهرة الارهاب هذه، لانها مجرد مسكنات، تبتعد عن مصدر الداء، وربما لا تريد علاجه اساسا حتى تستمر تدخلاتها العسكرية، وسياساتها التقسيمية والتفتيتية للمنطقة.

وحتى نلتقي بعد تفجيرات اخرى، في اماكن اخرى، وادانات اقوى، لكم كل الاحترام والتقدير.

عطوان: “لعنة اليمن” ستطارد السعودية لعقود قادمة

عبد الباري عطوان|

لم نكن ننوي مطلقا العودة الى هذا الموضع مرة اخرى، ولكن تأكيدات وكالة انباء “رويترز العالمية في برقية لها اليوم (الاربعاء)، ان المملكة العربية السعودية حشدت وزراء خارجية دول التحالف العربي الذي تقوده الى جانب نظرائهم من دول اعضاء في منظمة التعاون الاسلامي للاتصال بالامين العام للامم المتحدة بان كي مون لتهديده بكل الطرق، المباشرة وغير المباشرة، بأعمال انتقامية في حال استمراره في ادراج المملكة وحلفائها في حرب اليمن على القائمة السوداء التي تضم الدول التي تقتل الاطفال وتشوههم، هذه التأكيدات حتمت علينا هذه العودة.

والاهم من ذلك ان المملكة هددت بوقف جميع المساعدات المالية التي تقدمها الى المنظمات التابعة للامم المتحدة، ومن بينها منظمة “الاونروا”، التي ترعى شؤون اللاجئين الفلسطينيين، باعتبارها رابع دولة الاكثر تبرعا لها، حيث قدمت مئة مليون دولار في العام الماضي، علاوة على عقد اجتماع لعلماء مسلمين، واصدار فتوى ضد الامم المتحدة باعتبارها معادية للاسلام، الامر الذي وصفه دبلوماسي اممي لوكالة “رويترز بانه احد ابشع انواع الابتزاز، مما يدين هؤلاء العلماء، ويؤكد ان فتاواهم تصدر حسب الطلب.

 “عاصفة الحزم” السعودية قتلت بصواريخها وقذائفها اكثر من 500 طفل يمني، و1168 قاصرا، علاوة على ستة آلاف آخرين، حسب احصاءات الامم المتحدة نفسها، وحذف اسم السعودية وحلفائها من القائمة السوداء لا يمكن ان يحجب هذه الحقيقة، او يقلل من فداحة المصاب اليمني بجوانبه كافة.

لا نختلف مطلقا مع كل الآراء التي تتهم الامم المتحدة بالفساد، وخضوعها لهيمنة الولايات المتحدة الامريكية، وتواطؤها الكامل مع الحصار، ومن ثم الحرب، التي شنتها الولايات المتحدة، بغطاء اممي، التي ادت الى مقتل مليون طفل عراقي، وبعد ذلك اعطاء الغطاء الشرعي لحلف “الناتو” لقصف ليبيا، وقتل اكثر من 30 الفا من ابنائها، وتحويلها الى دولة فاشلة، ولكن ما نختلف فيه مع المملكة والدول العربية والاسلامية التي “هرعت” لدعمها، والضغط على الامين العام للامم المتحدة لرفع اسمها من القائمة السوداء، انها صمتت، بل شجعت، الحصار الامريكي الظالم على العراق الذي استمر 13 عاما، وانتهى بإسقاط النظام العراقي الذي حارب ايران ثماني سنوات لحماية المملكة العربية السعودية ودول الخليج من ثورتها الاسلامية.

نعم.. الامم  المتحدة رفضت، وبضغط امريكي اسرائيلي ادراج دولة الاحتلال الاسرائيلي من القائمة السوداء نفسها العام الماضي بسبب قتلها اطفالا في قطاع غزة، ولكن هذه الخطوة تدين السعودية وحلفاءها، لانهم طالما يملكون كل هذه “العضلات” المالية والسياسية لماذا لم  ينتصروا لاطفال غزة والعراق، ويجبروا المنظمة الدولية على تصحيح خطيئتها هذه في حقهم، ووضع اسرائيل على القائمة السوداء؟

قتل البشر، سواء كانوا صغارا او كبارا، في اليمن او سورية، او العراق، او ليبيا، او فلسطين المحتلة، وايا كان القاتل، هو ارهاب وجريمة كبرى يجب ان تعاقب الدول والجماعات التي تقدم عليها سواء كانت مسلمة او غير مسلمة دون اي تمييز.

السعودية قد تكون نجحت وحلفاؤها في ازالة اسمها من القائمة السوداء، ولو مؤقتا، ولكن الضرر الذي لحق بها مزدوج، فقد بات العالم بأسره، وبسبب هذا الارتباك الذي لحق بالمنظمة الدولية من جراء تراجعها، يعرف جيدا انها ارتكبت جرائم في حق اطفال اليمن وبلدهم اولا، والحقت هذه الضجة الاعلامية التي ما زالت في بدايتها ضررا اكبر لها، وصورتها بصورة الدولة التي تمارس الترهيب والابتزاز ضد منظمة دولية وامينها العام ثانيا.

لا نضيف جديدا عندما نقول، ان كل هذه المصائب التي تتوالى على المملكة العربية السعودية وحلفائها الذين ورطتهم معها، تأتي بسبب “عاصفة الحزم” التي قصفت، وتقصف، طائراتها شعب فقير معدم منذ عام وثلاثة اشهر على الاقل، دون هوادة او رحمة.

كما نتمنى لو ان حكومة المملكة العربية السعودية استخدمت امكانياتها العسكرية واسلحتها المادية الضخمة في خدمة القضايا العربية العادلة، وعلى رأسها قضية فلسطين، ودعمت خطط التنمية في الدول العربية الفقيرة لتوفير لقمة العيش للعاطلين عن العمل فيها، وهم بعشرات الملايين، ومن بينهم اكثر من ثلاثة ملايين سعودي، وجيشت علماءها وكل نظرائهم في الدول الاسلامية لتحرير المقدسات العربية والاسلامية من الاحتلال الاسرائيلي، لا لحذف اسمها فقط من قائمة قتلة الاطفال السوداء.. انها، وباختصار شديد، “لعنة اليمن” التي ستظل تطاردها لعقود قادمة.. والايام بيننا.

عطوان: “داعش” يضرب في الاردن للمرة الثانية في غضون اربعة اشهر

عبد الباري عطوان

لم تعلن السلطات الاردنية حتى كتابة هذه السطور هوية الجهة التي تقف خلف الهجوم الارهابي الذي استهدف مكتبا لدائرة المخابرات العامة في مخيم البقعة وادى الى مقتل خمسة من ضباطه وموظفيه، لكن اصابع الاتهام تشير بكل وضوح الى تنظيم “الدولة الاسلامية”، لان الاردن، واجهزة مخابراته على وجه الخصوص، يخوض حربا امنية وعسكرية شرسة ضد هذا التنظيم، في اطار تحالف دولي ستيني برئاسة الولايات المتحدة الامريكية سواء في سورية او العراق او ليبيا او حتى الصومال، ناهيك عن الاردن نفسه.

هذا هو الهجوم الثاني الذي ينفذه “التنظيم”، على الارجح، في العمق الاردني في اقل من ستة اشهر، وكان الهجوم الاول في مدينة اربد في الشمال في شباط (فبراير) الماضي، حيث فككت الوحدات العسكرية الخاصة خلية ارهابية تحصنت في احد المنازل، مما ادى الى مقتل سبعة من المهاجمين المتحصنين كانوا يعدون لعملية هجوم كبير فيما يبدو، بينما سقط نقيب من الجانب الاردني، وكانت هذه الواقعة، وقتال المتحصنين في المنزل حتى الموت، ورفضهم الاستسلام، والعثور على احزمة ناسفة، واسلحة آلية في حوزتهم، بمثابة جرس انذار.

قدر الاردن ان يكون محاطا بثلاث دول تشهد اضطرابات داخلية وحروبا مستعرة، هدفها الرئيسي محاولة استئصال هذه “الدولة”، ومطلوب منه، اي الاردن، بسبب قدراته الامنية والعسكرية المتميزة، ان يلعب الدور الابرز فيها، وان يحتضن غرف عمليات لقيادة هذه الحروب، وان يستضيف مناورات عسكرية سنوية ضخمة (الاسد المتأهب)، تشارك فيها قوات اكثر من عشرين دولة بينها الولايات الامريكية المتحدة قرب الحدود السورية العراقية.

حدود الاردن مع سورية تزيد عن 375 كليومترا، ومع العراق 181 كليومترا، اما حدوده الاطول مع المملكة العربية السعودية فحوالي 782 كيلومترا، والسيطرة على هذه الحدود عملية صعبة للغاية، لان دولتين، هما العراق وسورية، دول شبه فاشلة، وغير قادرة على حماية حدودها بسبب الحروب الملتهبة على اراضيها، وحواضنها الشعبية تقع في معظمها على الجانب الآخر من الحدود الاردنية غير المحمية، وغير المنضبطة في آن.

هناك ثأر لدى “الدولة الاسلامية” تجاه الاردن، يعود الى لعب المخابرات الاردنية الدور الابرز في اغتيال “الاب الروحي” للتنظيم ومؤسسه، ابو مصعب الزرقاوي، وكذلك مشاركة الاردن في التحالف الدولي الستيني الذي تشكل لاجتثاثه، وهي المشاركة التي بلغت ذروتها في اسقاط طائرة الطيار معاذ الكساسبة اثناء مشاركته وطائرته الـ”اف 16 في قصف مواقع التنظيم في العراق قبل عامين.

في المقابل هناك ثأر لدى الاردن ضد هذا التنظيم ايضا، بالاضافة الى عقيدة اردنية راسخة بمكافحة الارهاب والتطرف اي كان مصدره، او الجهة التي تقوم به، فإعدام تنظيم “الدولة” بطريقة وحشية للطيار الاردني الشاب الكساسبة، وحد الغالبية العظمى من الشعب خلف النظام ومؤسستيه الامنية والعسكرية، ودعم حربه ضد هذا التنظيم، ولكن يبدو واضحا ومن خلال واقعتي البقعة واربد، ان هناك خلايا نائمة قوية للتنظيم يجري تفعيلها هذه الايام.

العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني عبر عن التزام الاردن بمحاربة تنظيم “الدولة” في كل مكان، عندما كشفت وثيقة جرى تسريبها الى بعض الصحف البريطاينة، تضمنت نص لقاء جرى بينه وبين اعضاء بارزين في الكونغرس الامريكي بينهم جون ماكين رئيس اللجنة العسكرية، والمرشح الرئاسي الجمهوري الاسبق، اكد فيها الملك عبد الله على ان بلاده ارسلت وحدات قتالية خاصة الى ليبيا والصومال والعراق لمحاربة “الدولة الاسلامية” في هذه البلدان، وحماية المنشآت النفطية الليبية على وجه الخصوص، والحيلولة دون وقوعها في يد هذا التنظيم الذي يزداد قوة وخطرا في منطقة الاتحاد المغاربي، ويتطلع للسيطرة على آبار النفط الليبية بعد ان خسر معظم مثيلاتها في سورية والعراق.

هجومان للتنظيم في غضون اربعة اشهر يوحيان بأن هناك قرارا باستهداف الاردن وامنه واستقراره، واختيار مخيمين فلسطينيين في اربد والبقعة محاولة لخلق فتنة داخلية تؤدي، اذا ما أعطت اؤكلها، الى زعزعة استقرار البلاد وامنها، وهذا ما يفسر الادانة القوية والسريعة التي صدرت عن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس من ناحية، وحركة “حماس ممثلة في السيد خالد مشعل، رئيس مكتبها السياسي من ناحية اخرى، فهذه الادانات، مضافا الى ادانات داخلية لافتة، ابرزها من حركة الاخوان المسلمين في الاردن، وعشائر اردنية قوية، توحي بأن هناك وعيا بالاهداف الخطيرة التي ترمي اليها هذه الفتنة، ووجود استعداد لدى كل الاطراف لتطويقها في مهدها.

“الدولة الاسلامية” تتصرف هذه الايام مثل “النمر الجريح”، فهي تواجه حروبا شرسة في الفلوجة والرقة وحلب، تعكس تفاهما امريكا روسيا سوريا ايرانيا، وتلعب القوات الكردية السورية والعراقية دورا رئيسيا فيها الى جانب الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي، والغطاء الجوي الامريكي (العراق) والروسي (سورية).

في ظل هذه الهجمات المنسقة، يمكن تفسير محاولة “الدولة الاسلامية” تصدير هجماتها العنيفة والارهابية الى الخارج، والجوار الاردني اولا، والعواصم الغربية ثانيا، ويمكن الرجوع الى الشريط الذي اصدره ابو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم، الذي طالب فيه انصار التنظيم وقواعده بشن مثل هذه الهجمات قبل اربعة اسابيع فقط، ويبدو ان هذه الدعوة الدموية تلقي بعض الاستجابة.

الاردن في ظل هذه الحرب يحتاج الى تحرك سريع لتطويق هذه “الفتنة”، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهتها من خلال خطاب مختلف، مثلما يحتاج الى دعم دول الجوار العربي الذي يدفع ثمنا من امنه، وربما استقراره لاحقا، بسبب حمايته لحدودها، وتحوله الى سد في مواجهة عمليات اختراقها، بالاضافة الى استيعابه لاكثر من مليوني لاجيء سوري، كان يمكن ان يشكلوا “تسونامي” يخترق الحدود السعودية ودول الخليج، لو فعل الاردن ما فعله الرئيس اردوغان على سبيل المثال.

الاستيلاء على الرقة والفلوجة والموصل لو تحقق في هذه الهجمات “الصيفية” المنسقة، قد لا يعني نهاية التنظيم، بل ربما يعطي نتائج عكسية، ويؤدي الى زيادة خطورته وتوحشه، لان هذا الاستيلاء لو تحقق، وما زال من المبكر اغراق البعض في التفاؤل، سيعني نزول هذا التنظيم وانصاره الى تحت الارض، واعفاء قيادته في الوقت نفسه، من ادارة مدن كبرى وتوفير الخدمات لاكثر من تسعة ملايين انسان يخضعون لحكمه، وهي “ورطة” تتواضع امامها “ورطة” حركة “حماس وحكمها في قطاع غزة، وان كانت المقارنة ليست في محلها.

هجوم البقعة يبعث على القلق فعلا، لانه اراد ضرب المثلث الاهم الذي ميزّ الاردن عن جواره منذ نشأته قبل ما يقرب من المئة عام، وهو مثلث الامن والاستقرار والتعايش، ولكن الاردن استطاع تجاوز تحديات اكبر من هذا التحدي طوال العقود الماضية.

عطوان: أردوغان يمهد لإعادة العلاقات مع روسيا وسوريا ومصر و”اسرائيل”

عبد الباري عطوان|

لا يعرف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان من اين تأتيه الضربات الموجعة هذه الايام، ففي الوقت الذي كان يتواجد في كينيا في اطار محاولاته لفتح اسواق جديدة لتجارة بلاده في القارة الافريقية تعويضا لخسائرها بسبب المقاطعة الروسية، يتبنى البرلمان الالماني وبالاجماع قرارا بالاعتراف بـ”الابادة التركية” لاكثر من مليون ارمني قبل مئة عام.

الرئيس أردوغان الذي استفاق لتوه من ازمة رحيل ذراعه الايمن ومهندس سياسته الخارجية السيد احمد داوود اوغلو، رئيس الوزراء صاحب نظرية “صفر مشاكل” مع الجيران، التي اوصلت تركيا الى ما وصلت اليه من مكانة اقتصادية، واخرى سياسية، هدد الخميس من نيروبي بأن القرار الالماني سيؤثر بشكل كبير على العلاقات بين المانيا وتركيا، وتوعد بأنه سيتخذ “الخطوات اللازمة” لدى عودته الى انقرة، اما وزير العدل التركي بكير بوزواغ فقال موجها حديثه للالمان “تحرقون اليهود ثم تتهمون الشعب التركي بالابادة”.

هذه الاتهامات الغاضبة التي تزامنت مع قرار الحكومة التركية سحب سفيرها من برلين للتشاور كانت من اجل امتصاص حالة من الغضب في اوساط الحزب الحاكم وانصاره، سرعان ما جرى استبدالها بلهجة تتسم بالمرونة، حيث اكد السيد بن علي يلدريم رئيس الوزراء ان المانيا “لا تزال حليفا اساسيا وان العلاقات بين البلدين ستستمر”.

مهمة رئيس الوزراء التركي الجديد يلدريم باتت محصورة في اطفاء الحرائق التي اشعل نيرانها الرئيس اردوغان طوال السنوات الخمس الماضية، واعادة ترميم الجسور مع دول الجوار التي انقطعت، واجراء مراجعات سياسية شاملة قد تتضمن “انقلابا” في مواقف تركيا في ملفات على درجة كبيرة من الخطورة مثل الملفين الروسي والسوري.

قد يتم تحويل احمد داوود اوغلو صاحب نظرية “صفر مشاكل” مع الجيران التي اوصلت تركيا الى ما وصلت اليه من ازدهار اقتصادي ومكانة قيادية سياسية، الذي استقال من كل مناصبه في الحكم ورئاسة الوزراء بسبب خلافاته مع الرئيس اردوغان، قد يتحول الى كبش فداء، وتحميله مسؤولية حالة الانهيار الحالية التي تعيشها تركيا.

السيد يلدريم الحليف الجديد المطيع للرئيس اردوغان كشف في خطابه، الذي ادلى به في البرلمان قبل اسبوع لشرح سياسة حكومته، عن بعض مؤشرات هذه التراجعات الجذرية عندما قال “انه يعي حقائق الوضع المضطرب الذي يحيط بتركيا، وان حكومته ستعمل على زيادة عدد الاصدقاء وتقليص الاعداء”، في عودة كلية الى سياسة خلفه اوغلو، ولكن دون ان يسميه، لكن النقطة الاهم في الخطاب التي توقف عندها المراقبون داخل تركيا وخارجها، قوله “ان اخواننا يقتلون منذ خمس سنوات في حرب عبثية في سورية” مشيرا الى ضرورة “وقف هذه الحرب”، دون ان يتطرق مطلقا الى شرط اسقاط النظام السوري.

وصف الحرب في سورية بـ “العبثية” انعطافة مهمة في السياسة التركية، وتخل واضح عن ارث خمس سنوات من دعم المعارضة السورية المسلحة للتعجيل بسقوط النظام، والمطالبة بمناطق عازلة، او حظر جوي داخل الاراضي السورية.

السيد نعمان كورتولموش نائب رئيس الوزراء، كان اكثر وضوحا من رئيسه، عندما قال في تصريحات صحافية “ان اصلاح العلاقات مع روسيا والعراق وسورية ومصر سيعود على انقرة بعوائد تجارية قيمتها 36 مليار دولار”، واضاف “انه لا يرى مانعا في عودة العلاقات الروسية الى سابق عهدها”.

وما يؤكد اقوال السيد كورتولموش هذه حول الرغبة في اعادة العلاقات مع روسيا اللهجة التصالحية التي عبر عنها الرئيس اردوغان قبل مغادرته الى نيروبي، وتراجع فيها عن اقواله التصعيدية حول احداث اسقاط الطائرة الروسية في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، “هذا الحادث خطأ في التقدير من الطيار التركي ويجب ان لا يفسد العلاقات بين البلدين الشخصية والحكومية”، وفسر مراقبون هذا التراجع بأنه قد يكون مقدمة لتقديم الاعتذار الذي تطالب به موسكو.

الرئيس اردوغان الذي يريد تغيير النظام في تركيا من برلماني الى رئاسي يحتاج الى اجراء تغييرات رئيسية في سياساته الداخلية والخارجية لانجاز هذا الهدف، ووضع مصالح تركيا وشعبها فوق كل اعتبار، واول خطوة في مسيرة المراجعات الاعتراف بالاخطاء والعمل على تصحيحها، فتركيا باتت بلا اصدقاء، في محيط شرق اوسطي ملتهب بالحروب، والاخطر من ذلك ان هؤلاء او معظمهم تحولوا الى اعداء بسبب السياسات والتحالفات الخاطئة طوال السنوات الخمس الماضية.

تركيا خسرت امريكا الحليف التاريخي، مثلما خسرت روسيا القوة العظمى البديلة، بقرار غير مدروس بإسقاط احدى طائراتها، ولم تكسب الاتحاد الاوروبي الذي يشكل العمود الفقري لحلف “الناتو”، العضو المؤسس فيه، وتخوض حربا في سورية، وتعيش سلاما باردا مع الجارين العراقي والايراني.

ولعل الخطر الاكبر الذي تواجهه تركيا الرئيس اردوغان هذه الايام هو الدعم الامريكي الروسي المشترك لعدوها الاشرس المتمثل في اكراد سورية، وجيش سورية الديمقراطي الذي يمثلهم، والذي بات على وشك اعلان حكم ذاتي مستقل في المناطق الكردية السورية الشمالية الممتدة على طول الحدود الجنوبية التركية.

الرئيس اردوغان اتخذ قرارا حكيما عندما رفض كل الضغوط الامريكية للتدخل بريا في الازمة السورية دعما للمعارضة السورية المسلحة وللقضاء على “الدولة الاسلامية” ولا نستغرب ان يجد نفسه مضطرا للتدخل هذه المرة لمنع قيام الكيان الكردي الجديد في سورية الذي سيكون مقدمة لكيان آخر مماثل في جنوب شرق تركيا.

من يقارن بوضع الرئيس اردوغان وبلاده قبل خمس سنوات، ووضعها الآن، يدرك جيدا حجم المأزق الكبير الذي يعيشه، ولذلك لا نستغرب عمليات التمهيد الاعلامية والسياسية التي تجري حاليا من قبل انصاره،  وبينهم عرب، للتراجع عن السياسات والمواقف التي قادت تركيا الى هذا الوضع الخطير.

هل ستعطي مثل هذه المراجعات، او التراجعات، ثمارها المرجوة ام ان الوقت بات متأخرا؟

نترك الاجابة للايام او الشهور المقبلة، وما يمكن ان تشهده من تطورات ومفاجآت، ولكل حادث حديث.

عطوان: غياب العقول الخلاقة من السلطة أوصل العرب إلى الحضيض

عبد الباري عطوان|

من تابع “المناظرة” التي نظمها معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى، المعروف بهيمنة اللوبي الاسرائيلي عليه، وجمعت بين الامير تركي الفيصل، رئيس جهاز الاستخبارات السعودي الاسبق، والجنرال يعقوب عميدور، مستشار الامن القومي الاسرائيلي السابق، يدرك جيدا ان “التطبيع بين المملكة العربية السعودية واسرائيل يسير على قدم وساق، وان هذه المناظرات ليست احد حلقاته فقط، وانما تأتي لتؤسس تعاون استراتيجي بين الجانبين لمواجهة الخطر المشترك المتمثل في “الارهاب”، بشقيه السني والشيعي وايران وحزب الله، و”الدولة الاسلامية” على وجه الخصوص، لان اسرائيل لم تعد عدوا، وحتى وان بقيت كذلك، فهي عدو من الدرجة الثانية، او حتى العاشرة بعد ايران.

الجنرال عميدور اكد طوال المناظرة على عدة امور اساسية نوجزها في النقاط التالية قبل الحديث بنظرة اعمق الى هذه الخطوة التطبيعية:

اولا: الجامعة العربية تغيرت (انقسمت)، ومبادرة السلام العربية تجاوزها الزمن، ولم تعد صالحة، ولا بد من التطبيع والتعاون مع الدول ذات المصالح المشتركة، اي اسرائيل ودول الخليج.

ثانيا: ايران و”حزب الله” هما الخطر الوجودي الذي يهدد اسرائيل، ويسعى الطرفان لتحويل الجولان كنقطة انطلاق استراتيجي لضربها.

ثالثا: ايران كقوة نووية تشكل الخطر الاكبر على السعودية ودول الخليج واسرائيل معا، ولذلك يجب منعها من تطوير اي قدرات نووية بعد انتهاء الاتفاق الحالي.

رابعا: يطالب الجنرال الاسرائيلي العرب صراحة بنسيان القضية الفلسطينية، ولكن بطريقة مواربة، عنوانها التعاون مع اسرائيل دون ان يكون هذا التعاون مشروطا بالتوصل الى تسوية لهذه القضية، وتصل درجة الوقاحة الى القول بأن الفلسطينيين في فلسطين المحتلة التاريخية منها، او الضفة الغربية والقطاع، اكثر امانا من نظرائهم العرب في دول عربية عديدة.

الامير الفيصل في المقابل ركز على عدة نقاط لم تتضمن اي اضافة لحواراته السابقة مع مسؤولين اسرائيليين، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

اولا: دعم الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وقال انه تحدى رئيسه ياسر عرفات عندما عارض الانتفاضة الثانية المسلحة، وتأكيده، اي عباس، ان لا حلا عسكريا للقضة الفلسطينية، وهو الكلام نفسه الذي كرره تلميذه اللواء انور عشقي في حديثه لمحطة عربية.

ثانيا: ركز على مبادرة السلام العربية التي هي طبعة سعودية بالاساس، واستغرب عدم امساك حكومة نتنياهو بها.

ثالثا: اكد ان التعاون بين اسرائيل ودول عربية في مواجهة ايران، سيكون افضل في ظرف يكون فيه سلام بين الدول العربية واسرائيل.

رابعا: كرر الامير تركي الفيصل مقولته بانه لا يستخدم مصطلح “الدولة الاسلامية” وانما “فاحش”، وكرر هجومه على الرئيس السوري بشار الاسد، وقال انه طلب من الاوروبيين ان يأخذوا لاجئا واحدا وهو الرئيس الاسد، وطالب بتسليح المعارضة السورية.

خامسا: الامير الفيصل قال ان “داعش” موجودة في ليبيا والعراق وسورية بسبب تحولها الى دول فاشلة، ولم يشر مطلقا الى من حولها الى هذه النتيجة، وخاصة امريكا ودول خليجية، بينها السعودية.

العبارة الاخطر والاكثر تضليلا التي وردت على لسان الامير الفيصل، تلك التي قال فيها “اقول دائما للمشاهدين اليهود انه بالعقول العربية والمال اليهودي يمكننا المضي قدما بصورة جيدة في مختلف المجالات العلمية والتكنولوجية”.

ما لا يدركه الامير الفيصل ان العرب يملكون الاثنين، اي المال والعقول معا، وليسوا بحاجة الى العقول او المال اليهودي، ولكن المشكلة تكمن في ان حكوماتنا وحكامنا، والسعوديين على رأسهم، اضاعوا المال وبددوه، وقتلوا العقول، ومن لم يقتلوه منها، دفعوه الى الهجرة الى دول غربية، تقدر العلم والعلماء، وتعرف كيف توفر لهم البيئة الحاضنة لكي يبدعوا في مجالاتهم كافة.

نستغرب ان يتحدث الامير الفيصل عن امتلاك اليهود للمال، وهو ينتمي الى اسرة تحكم بلدا يصدر عشرة ملايين برميل من النفط على مدى خمسين عاما على الاقل، وتخطط حاليا لبيع اكبر شركة في العالم، وهي “ارامكو”، او جزء منها، لتأسيس صندوق استثماري سيادي بقيمة ترليوني دولار (2000 مليار دولار).

هذا الغزل للمال اليهودي يصب في النتائج الخطأ، وفي مصلحة الجهات الخطأ، ويروج لمفاهيم غير صحيحة، وغير منطقية، ويفتح الابواب امام رؤوس الاموال الصهيونية لغزو الاسواق العربية، ووضعها تحت الانتداب الاسرائيلي.

لا نعتقد ان اليهود الذين لا يزيد تعدادهم عن 15 مليون نسمة في العالم بأسره يملكون من المال اكثر من العرب الذين يصدرون اكثر من ثلثي انتاج منظمة “اوبك”، كما يملكون ثلثي احتياط النفط في العالم، وكنوز معدنية اخرى، ليس لها مثيل في اي مكان في العالم.

المملكة العربية السعودية ودول الخليج كانت تزدحم خزائنها بأكثر من 800 مليار دولار من عوائد النفط سنويا، حتى لقبل سنتين، عندما وصل سعر البرميل الى 140 دولارا، فليقل لنا سمو الامير اين ذهبت هذه العائدات وغيرها، ولماذا يعيش الشعب السعودي حالة من التقشف حاليا، ويواجه ضرائب مباشرة او غير مباشرة، وغلاء معيشي سيزداد طوال السنوات المقبلة؟

المسؤولون في المملكة العربية السعودية يعتقدون ان التطبيع مع اسرائيل يشكل لهم “شبكة امان” في مواجهة الخطر الايراني، الذي استخدم “فزاعة” لتبرير وتسويق اقامة علاقات مع دولة الاحتلال، وهم مخطئون في ذلك، لان اسرائيل، كانت وستظل هي الخطر، والامان الحقيقي لهم وحكمهم يأتي من خلال مقاومتها حتى تقبل بالسلام العادل المنصوص عليه في قرارات الشرعية الدولية، وليس في مبادرة السلام العربية “المسخ” التي تعفنت، ولم تلق الا الاحتقار.

اسرائيل لن تتفاوض مع العرب، وان تفاوضت فلن تقدم اي تنازلات جوهرية، والجنرال الاسرائيلي اوضح ذلك في المناظرة، لانهم لا يشكلون خطرا عليها، وان قررت التفاوض مستقبلا فمع ايران وحزب الله الذين يملكون اكثر من مئة الف صاروخ في حوزتهم من كل الاحجام والابعاد، ولذلك كل اطروحات الامير الفيصل حول السلام والمفاوضات انتهى عمرها الافتراضي بالنسبة الى الاعداء على الاقل.

عندما كان العرب عربا، يرفضون التطبيع، ويخوضون اربع حروب لاستعادة الحقوق المغتصبة في فلسطين، كانت اسرائيل تتوسلهم، ومعها الغرب كله، للدخول في مفاوضات معها، ولكن الآن وبعد ان اصبح العرب، او بعضهم، هم الذين يتوسلون التطبيع، ويؤسسون لاقامة علاقات معها، فان الصورة انقلبت، وباتت اسرائيل تنظر اليهم كبشر ضعاف لا يستحقون حتى الشفقة.

ختاما نقول ان ابرز ما يمكن استخلاصه من هذه “المناظرة” ان السعودية تمهد للتعاون الاستراتيجي مع اسرائيل كبديل لامريكا التي “تغيرت”، ولم تعد تقبل ان تخوض حروبها، اي السعودية، ضد ايران او غيرها، وان هذه المناظرات والمصافحات الهدف منها “ترويض” الرأي العام السعودي، ومن ثم العربي والاسلامي، للقبول التدريجي بهذا التوجه التطبيعي المدروس والمتفق عليه.

المملكة العربية السعودية تعيش حالة من الارتباك والتخبط، وقرارات قياداتها، سواء الداخلية او الاقليمية او الدولية، ومن بينها التطبيع مع “اسرائيل”، الى جانب حروبها في اليمن وسورية والعراق وايران، المباشرة منها وغير المباشرة، هي احد علامات هذا الارتباك، والذهاب الى اسرائيل كأحد المخارج، او اهمها، كمن يستجير من الرمضاء بالنار.

الرئيس الامريكي باراك اوباما قالها صراحة في مقابلة له مع الصحافي الامريكي توماس فريدمان، ان الخطر الداخلي يهدد الاسرة الحاكمة في السعودية اكبر بكثير من الخطر الخارجي المتمثل في ايران، على حد وصفهم، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه السياسات التطبيعية في ظل الازمة الاقتصادية المتفاقمة، وضياع آلاف المليارات من الدخل النفطي من جراء الهدر والفساد، وسوء الادارة، ستفاقم من الازمة الداخلية، وستصعد حالة الاحباط الشعبي المتفاقم.

لو كانت هناك عقول عربية خلاقة في السلطة فعلا لما وصلت امتنا الى هذا الحضيض يا سمو الامير.

عطوان: غطرسة نتنياهو وعجرفته ستجد من يضع حدا لها في المستقبل القريب

عبد الباري عطوان|

لم يفاجئنا بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي بعقده جلسة لمجلس وزرائه في هضبة الجولان العربية السورية المحتلة، واعلانه بأنها ستظل الى الابد تحت السيادة الاسرائيلية، ولكن ما فاجأنا حقيقة هو ان هذه الغطرسة لم تثر اي اهتمام على الصعيدين الرسمي والاعلامي العربيين، الا في ما ندر، وكأن هذه الهضبة تخص الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه، وليس ما يقرب من نصف مليار مواطن عربي من بينهم 25 مليون سوري في الوطن والمنافي.

الوقاحة، او بالاحرى، الاحتقار من قبل نتنياهو للعرب والمسلمين جميعا، والسوريين، بكل مشاربهم خاصة، بلغت درجة وصف الوجود السوري في الهضبة بانه “احتلال” استمر 19 عاما، وان حكومات بلاده حولتها الى جنة خضراء، وواحة للتنمية والاعمار، ولا نعرف ما اذا كان مسؤولون عرب قد اتصلوا به مهنئين ومباركين خطواته وتصريحاته هذه، بعد ان بات “حليفا” لهم، وعضوا اصيلا في تحالفهم الجديد، ولن نستغرب على اي حال اذا ما فعلوا ذلك.

ندرك جيدا ان سورية تواجه خطر التقسيم والتفتيت تحت عناوين شتى ابرزها “الفدرلة”، بهدف الغاء دورها كقوة اقليمية في وجه الاحتلال الاسرائيلي، مثلما ندرك ان بعض المحسوبين على المعارضة السورية باتوا يعتبرون دولة الاحتلال حليفا وصديقا لهم، ويعدها بعضهم، بأنهم سيقدمون لها الجولان هدية في حال تدخلت لصالحهم لاسقاط النظام، ولا يغيب عن اذهاننا مطلقا صورة اليمة تتمثل في قيام نتنياهو بزيارات الى الجرحى السوريين الذين يعالجون في مستشفيات اسرائيلية، ولكن سورية ستظل سورية في نهاية المطاف، وستتعافى مجددا، وتنهض من كبوتها، وتستأنف دورها الحضاري الذي امتد لاكثر من ثمانية آلاف عام، هزمت خلالها العديد من الغزاة، وتأسست على ارضها امبراطوريات حملت احداها رسالة الايمان المحمدية الى مختلف اصقاع الارض.

نتنياهو يقول ان هضبة الجولان ستظل تحت السيادة الاسرائيلية الى الابد، ولكن اي “ابد” هذا الذي يتحدث عنه، وكم سيطول؟ عشر سنوات؟ ثلاثين؟ مئة؟ وهل يعتقد ان الحكام “النواطير” الذين يحمون حدود احتلاله، ويتنازلون عن الارض والعرض، سيعمرون لالف عام مثل سيدنا آدم، عليه السلام مثلا؟

اليس من حقنا ان نسألة عن مصير الامبراطوريات الرومانية والبريطانية والفرنسية والسوفييتية؟ فهل عمرت هذه الى الابد، وهل دولته التي تستمد الحماية واسباب البقاء من غيرها اكثر قوة؟

سورية لم تقع حتى يشحذ نتنياهو وغيره سكاكينهم لتقطيع اوصالها، واخذ نصيبهم منها، سورية ستظل شامخة، ابية، عزيزة، مقاومة، عربية، اسلامية، وستتجاوز هذه المحنة الكبوة مثلما تجاوزت ما هو اخطر منها، فشعبها شعب الجبارين، وارضها تحتضن رفات رجال عظام تعتز بهم، ويكفي ان نذكر صلاح الدين، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد.

نتنياهو يعيش ومستوطنوه اسوأ ايامهم، خوفا من المستقبل المرعب الذي ينتظرهم، فأيا كانت نتيجة الازمة السورية، فانهم سيدفعون ثمنا غاليا في نهاية المطاف من امنهم واستقرارهم، وسيكون مشهد اللاجئين السوريين الذين يتدفقون الى الملاذات الآمنة في الغرب ودول الجوار، مشهدا متواضعا بالنسبة لما يمكن ان يحدث للمستوطنين الاسرائيليين فيما هو قادم من ايام من جراء غطرسة حكامهم، واغلاقهم كل ابواب السلام والتعايش.

فهذه الفوضى الدموية التي بذرت بذورها امريكا في سورية والعراق والمنطقة بأسرها، وآلالاف الاطنان من الاسلحة من شتى الانواع والاحجام، وهذه الخبرات القتالية العالية على جانبي خط القتال، كلها ستتوجه نحو العدو الحقيقي للامة الذي يحتل الارض، ويمارس كل انواع الاذلال ضد اهلها الاصلاء.

اكثر من ثلاثة آلاف رأس نووي لم تمنع انهيار الاتحاد السوفييتي، وتطوير النظام العنصري الجنوب افريقي قدرات نووية لم يحل دون سقوطه، وغزو اكثر من 200 الف جندي امريكي للعراق لم يطل امد احتلاله اكثر من ثمانية اعوام، فهل نتنياهو اقوى من امريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا؟

المشكلة لن تكون هضبة الجولان واحتلالها فقط، وانما استعادة كل فلسطين التاريخية لاصحابها، ايا كانت ديانتهم وعقيدتهم، واقامة دولة التعايش والتسامح والمساواة بعيدا عن كل الممارسات العنصرية التي نراها حاليا في ابشع صورها.

الم يقل نتنياهو انه سيبقى في جنوب لبنان الى الابد؟ الم يؤكد ارييل شارون ان غزة جزء من اسرائيل ولن ينسحب منها؟ الم يحتل موشيه ديان سيناء في ايام معدودة عام 1967 واقام فيها مستوطنة “ياميت”؟

من اذلوا قوات الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان وقطاع غزة، ومن اعدوا المقابر لدبابات الميركافا الاسرائيلية الاحدث، ودمروا اسطورتها، ومن اجبروا ستة ملايين اسرائيلي على اللجوء الى الملاجيء هربا من الصواريخ التي انهالت عليهم من الشمال والجنوب، هؤلاء سيستعيدوا هضبة الجولان ايضا، وكل الارض العربية والاسلامية المحتلة سلما او حربا، والايام بيننا يا سيد نتنياهو.

عبد الباري عطوان: اوراق بنما كشفت “مستور” زعمائنا وملياراتهم المهربة

لندن|

لا نستغرب وجود اسماء العديد من زعماء ورؤساء وزارات، ومسؤولين في دول عربية في “فضيحة” ما يطلق عليه “اوراق بنما” التي كشفت عن عمليات تبيض اموال وتهرب ضريبي، وانشاء شركات وهمية، فهؤلاء باتوا يملكون الارض وما عليها في بلداننا، ويتحكمون في ثروات البلاد والعباد، ونسأل بسذاجة مقصودة، لماذا كل هذا الجشع، ولماذا كل هذه المليارات؟ وهل سيأخذونها معهم الى قبورهم؟ الا يحسون بمعاناة شعوبهم، وبعضها يعيش تحت كل خطوط الفقر والحرمان؟

الاثرياء في العالم الذين جمعوا عشرات المليارات، وبطرق مشروعة، مثل بيل غيتس (مايكروسوفت)، الذي تقدر ثروته بـ 79 مليار دولار، او وارن بافيت، صاحب شركات استثمارات عملاقة، الذي تبلغ ثروته حوالي 40 مليارا، وهبوا الغالبية الساحقة من ملياراتهم لمؤسسات خيرية، وسخروا ما تبقى من حياتهم لاقامة مشاريع لمساعدة الفقراء المعدومين في العالم، وينفق غيتس اربعة مليارات دولار سنويا من ثروته من خلال مؤسسته الخيرية في آسيا وافريقيا، ويشرف عليها وزوجته شخصيا.

***

زعاماتنا نحن، او معظمها، لا تكتفي بالفساد ومراكمة المليارات في بنوك خارجية (لماذا ليس في بنوك دولها)، وشراء العقارات الضخمة، واليخوت الفارهة، بل توظف بعضها هذه الاموال في اعمال القتل والدمار، والتدمير، والتفتيت، وتهجير الملايين.

نفهم ان تلجأ دول محاصرة “منبوذة” مثل كوريا الشمالية لفتح حسابات سرية (اوف شور) للالتفاف على الحصار الامريكي لتمويل برامجها النووية، ولكن لماذا تفعل الشيء نفسه قيادات عربية، وفي دول ليس فيها ضرائب اصلا حتى تتهرب منها، ولا تحتاج الى غسيل اموال، فالبنوك بنوكها، والمطارات تحت تصرفها، والطائرات الخاصة المحصنة من اي تفتيش وسيلتها للتنقل بين العواصم والمنتجعات، فلماذا هذه الاجراءات الالتفافية والطرق الملتوية؟

لا نعرف لماذا يتم الكشف عن هذه الوثائق والاوراق الآن، التي لاحظنا ان اسماء عديدة لامريكيين واسرائيليين غابت عنها، وكيف تمت عملية التسريب، ولأي هدف، ولكن شكوكنا هذه لا تعني اننا لسنا معها، وكشف اسرارها، حتى تعرف الشعوب المسحوقة حقيقة زعاماتها وثرواتهم وطرقهم الملتوية في نهب المال العام.

دول عدة في الشرق والغرب فتحت تحقيقات رسمية حول ما تضمنته هذه الوثائق (11 مليون وثيقة) من تجاوزات، وتورط مسؤولين ومشاهير ورياضيين، ورجال اعمال وشركات فيها، ونجزم بانه لن تكون هناك اي من الدول العربية من ضمنها، مع بعض الاستثناءات (تونس).

فمعظم الدول العربية، ان لم يكن كلها، لا تعرف شيء اسمه التحقيقات القانونية، وان اجرتها فمن اجل تجريم معارضيها، اما حلفاؤها، او واجهاتها الاستثمارية التي يتخفون خلفها، فهؤلاء محصنون من اي ملاحقة، فالقضاء المستقل العادل، مثل “الغول والعنقاء والخل الوفي” لا وجود له الا في الخرافات، واحاديث الامهات لاطفالهن قبل النوم.

رحم الله القادة العظام في هذه الامة، مثل الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي لم يجدوا في حسابه البنكي بعد موته الا اقل من مئة دولار، وكان يمنع على زوجته الطبخ في منزله التابع للجيش، ويصر على الوجبات الرسمية العسكرية مثله مثل الجنود الآخرين، او الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي مات ولم يترك بيتا لاولاده، او الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الذي مات فقيرا معدما ولا ننسي في هذه العجالة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عاش ومات متقشفا في غرفه صغيره في وزارة الدفاع وكذلك الرئيس صدام حسين الذي لم يجدوا له حسابا مصرفيا واحدا بعد موته، علنيا او سريا، وكل قصوره ذهبت الى الدولة، او حتى العقيد الليبي معمر القذافي الذي لم يترك الا خيمة بالقرب من مقره في ثكنة العزيزية العسكرية، وترك مئتي مليار دولار استثمارات خارجية باسم الدولة، الشيء نفسه يقال عن الراحل الشهيد ياسر عرفات الذي لم يترك الا كوفيته ومسدسه وبدلته العسكرية، مع تسليمنا بأن انظمة حكمهم لم تكن ديمقراطية على الاطلاق.

فوائد “اوراق بنما” عديدة مثل نظيرتها “الويكيليكس، وابرزها ان الغرب وشركاته ومصارفه لم تعد ملاذا آمنا للمليارات المهربة، وان الحليف الامريكي الذي غالبا ما يقف خلف هذه التسريبات، بشكل مباشر او غير مباشر، لا يمكن الوثوق به، ولا يحفظ سرا، وان حفظه فللوقت المناسب، وحتى التسريب القادم دمتم.

عبد الباري عطوان: اغلاق رام الله هو الاذلال الاخير لعباس ورهطه

لندن|

نحمد الله ان الجيش الاسرائيلي اغلق يوم امس واليوم جميع مداخل مدينة رام الله، عاصمة السلطة، ومخارجها، وفرض عليها حصارا مشددا في اعقاب اقدام الشهيد امجد سكري على اطلاق النار على ثلاثة جنود اسرائيليين، الحق بهم اصابات بالغة قبل ان يرتقي الى جنة الخلد باذن الله.

فهذا الحصار، ورغم تعاطفنا الكامل مع اهلنا في المدينة ومعاناتهم، يؤكد وهم السلطة و”سيادتها” المزعومة، ويفضح دورها، ويجسد الوضع البائس لمن يعتبرون انفسهم “قادة” لما يطلقون عليه المشروع الوطني الفلسطيني، ويشيدون ليل نهار بالتنسيق الامني مع الاجهزة الاسرائيلية باعتباره “انجازا”.

رام الله ظلت فقاعة كاذبة، يعيش وسطها اصحاب سلطتها في رشوة الاحتلال الجائر، وبعيدة بالكامل من عذابات الفلسطينيين في مدن وقرى اخرى، وتتباهى بحالة انفصال الشخصية (شيزوفرينيا) التي تعيشها نخبتها الحاكمة، او الدائرين في فلكها، رام الله افاقت على واقع جديد طالما حاولت نسيانه، او تناسيه والتعامي عنه، ويتلخص في انها تحت الاحتلال والاذلال.

***

لعل هذا الحصار المهين صرخة ايقاظ للرئيس عباس وقياداته الامنية، ورجاله المنافقين الملتفين حوله، لكي يعودوا الى رشدهم او ما تبقى منه، ويعوا جيدا ان سلطتهم انتهت، وان اغلاق مداخل “امبراطويتهم” الوهمية هو بمثابة رصاصة الرحمة التي اعتقدوا انها لن تطلق عليهم، لقد انتهى الدرس، واسدلت الستارة، وعليكم الرحيل من مقاعد مسرح عبثكم.

الرئيس عباس لم يرد مطلقا تنفيذ تعهداته وتهديداته بحل السلطة وتسليم مفاتيحها الى بنيامين نتنياهو، وها هو الاخير يسلب منه هذا “الشرف”، لأنه في رأيه لا يستحقه، ويؤكد حقيقة يعرفها الجميع، باستثناء سكان المقاطعة، بان هذه السلطة “مهزلة” لا تستحق اسمها، ناهيك عن استمرار وجودها.

قلناها قبل ذلك، ولا مانع من ان نكررها اليوم وغدا وبعد سنة، هي ان السياسات الاذلالية الاسرائيلية، وتعايش السلطة معها، وتنفيذ احكام الاعدام ميدانيا بالشابات والشبان من ابطال الانتفاضة الاخيرة، لمجرد وضع ايديهم في جيوبهم، خوفا ورعبا من سكاكينهم، سيدفع هؤلاء او غيرهم الى اللجوء للسلاح، طالما ان الشهادة حتمية.

الشهيد امجد سكري، الحارس الامني في مكتب النائب العام الفلسطيني، لم يتحمل اذلال شعبه امام الحواجز الاسرائيلية، ولم يستطع الصمت على اعدام الشبان والشابات الثائرين على الاحتلال بسكاكينهم، فقرر التمرد على هذه السلطة التي ارادت ان تحوله حارسا للقتلة والجزارين، وان يواجه سلاحه الى جنودها الذين يهينون اهله وذويه امام الحواجز.

امجد سكري الشاب الثلاثيني هو أحد رموز المرحلة القادمة، مرحلة المقاومة، التي يتحمل نتنياهو وكل المستوطنين المتطرفين من امثاله مسؤولية تفجيرها، ودفع الشباب المحبط الى الانخراط فيها دون استئذان اي احد، ودون حتى  التفكير بالعواقب، فلم يبق شيء ممكن خسارته، فالكرامة وعزة النفس والشجاعة تتقدم على كل ما عداها.

لم يستمع “السكري” الى رئيسه عباس، ووعظه الاستسلامي، ولا الى قادته الامنيين الذين يرتعدون خوفا من كلمة “المقاومة” بسبب جبنهم، وعقيدتهم المنحرفة، وتواطئهم مع قوى الاحتلال، والتزامهم بتعليمات الجنرال الامريكي دايتون وعقيدته، الذي غسل ادمغتهم، ونزع جينات الوطنية والشرف من دمائهم، وحولهم، الى خدم للمشروع الاستيطاني الاسرائيلي.

الشهيد السكري هو “قمة جبل الثلج”، واستشهاده ربما يكون بداية الانطلاق، ولن افاجأ شخصيا، اذا ما رأينا “صحوة ضمير” تنفجر في دماء زملائه الآخرين، كوادر القوات الامنية، وتدفع بهم للسير على الطريق نفسه، وتحويل بنادقهم الى صدور محتليهم.

فعندما يجدد بان كي مون، امين عام الامم المتحدة انتقاداته للاحتلال الاسرائيلي “المذل” ويدعو الاسرائيليين الى الكف عن مهاجمة اي شخص “يقول الحقيقة”، ويقول في مقال نشره في صحيفة “نيويورك تايمز الاثنين بأن مقاومة الاحتلال هي من طبيعة البشر، فان هذه المقاومة آتية لا ريب فيها، ولن تكون مقاومة سلمية فقط على طريقة بلعين ونعلين  “الفولكلورية” التي مارستها السلطة، وبعض الدائرين في فلكها، واعتبروها البديل الافضل لتغطية مسلسل التنازلات، وخداع الشعب الفلسطيني.

***

امين عام الامم المتحدة “لم يكن يشجع الارهاب” مثلما اتهمه نتنياهو، وما قاله هو ربع الحقيقة، وكان اكثر حرصا بذلك على الاسرائيليين منه على الفلسطينيين، ولكنهم تخصصوا دائما في تشويه صورة كل من يقول الحقيقة ويتهمونه بمعاداة السامية، في حملات ترهيب لم تعد تخيف احدا.

لا يهمنا ما يقوله بان كي مون، ولا كيف سيرد عليه نتنياهو.. بقدر ما يهمنا ما سيقوله الرئيس عباس، والرهط المحيط به، والمتنافسون على رئاسة سلطته “الاكذوبة” من بعده.. ما يهمنا هو ان نرى انتهاء حالة الانكار التي يعيشون فيها.. واسمها سلطة رام الله.

الرجل يصّر ان يموت ذليلا.. مهمشا.. منبوذا.. هذا خياره للأسف.. ويالها من نهاية بائسة، يستحقها عن جدارة.

التسونامي الفلسطيني قادم، وسيجرف كل الجيف في طريقه.. وسيكون مختلفا قطعا عما سبقه.. ونموذج شرف وكرامة ومروءة.. والايام بيننا.