عطوان: بوهلال ضحية سياسات خاطئة وهولاند تسرع في وصفه بـ”ارهاب اسلامي”

15-07-2016


عطوان: بوهلال ضحية سياسات خاطئة وهولاند تسرع في وصفه بـ”ارهاب اسلامي”

عبد الباري عطوان|

تشير اصابع الاتهام الى “الدولة الاسلامية” باعتبارها التنظيم الذي يقف خلف الهجوم الارهابي الذي وقع فجر الجمعة في مدينة نيس الفرنسية، واسفر عن مقتل 84 شخصا من جنسيات متعددة، علاوة على اصابة المئات، لان المنفذ محمد لهوج بوهلال التونسي الاصل، اقدم على عملية دهس للمصيفين على الكورنيش، مما يذّكر بهجمات مماثلة وقعت في لندن ومدن غربية اخرى، ولكن يظل هذا التوصيف مجرد احد الاحتمالات الاكثر ترجيحا.

تاريخ المنفذ بوهلال لا يوحي مطلقا بالتطرف الاسلامي في الوهلة الاولى، وتاريخه الاجرامي، وسلوكه الشخصي، يؤكد هذه الحقيقة، ولذلك نختلف مع الرئيس الفرنس فرانسوا هولاند في وصف هذا العمل الاجرامي الذي اقدم عليه بوهلال بأنه ارهاب اسلامي، اي الصاق صفة الاسلام به، ونعتقد ان هذا التصنيف ربما يكون متسرعا، علاوة على كونه قد يؤدي الى نتائج عكسية دموية، ويصب في مصلحة الجماعات اليمينية العنصرية المتطرفة التي تبحث عن الذراع للانتقام من المسلمين الذين يزيد عددهم عن عشرة ملايين شخص يعيشون في اوروبا منذ عشرات السنين والغالبية الساحقة منهم تميل الى الاعتدال، والوسطية، والعيش المشترك، واحترام الامن وقوانينه.

لا  نجادل مطلقا بأن معظم الهجمات الارهابية التي استهدفت مدنا فرنسية واوروبية في الفترة الاخيرة، يقف خلفها مسلمون، بعضهم اعلن انتمائه، او تعاطفه مع “الدولة الاسلامية”، او اعلنت “الدولة” انها هي التي جندتهم، ولكننا لا نستبعد في الوقت نفسه، ان بعض من يقدم على هذا الارهاب مجرد عناصر يائسة تعاني من مشاكل نفسية واجتماعية، تعبر عنها بمثل هذه الطرق الدموية في لحظات اليأس والاحباط، وبوهلال ليس استثناء، بل ربما يكون عنصر تأكيد اضافي لهذه الشريحة الظاهرة.

كان لافتا ان بعض منفذي هجمات باريس وبروكسل يحملون خلفيات سلوكية انحرافية، وبعضهم، او بعضهن، يحمل تاريخه سجلا حافلا بالاجرام، وهؤلاء هم نتيجة صراع الهوية السياسية والدينية، وانفصام الشخصية الثقافية، الامر الذي يجعلهم الهدف الاسهل لشيوخ “الفيسبوك” و”التويتر” لتجنيدهم، وحثهم على “التوبة”، من خلال الاقدام على اعمال ارهابية كهذه، وما يؤكد ما نقول ان معظم اعمال التجنيد، والتحول الى العقيدة الاسلامية، تتم ايضا في السجون والمعتقلات، وهذا لا ينفي في الوقت نفسه ان هناك عناصر انتمت الى تنظيمات جهادية عن قناعة وايمان راسخ، وليس لها اي خلفيات اجرامية على الاطلاق.

الشرق الاوسط يعيش حاليا حالات حروب وتدخلات خارجية عسكرية، وتزدحم بعض اجوائه واراضيه بطائرات حربية حديثة، وقوات خاصة، ومليارات الدولارات، وعشرات الآلاف من اطنان الاسلحة والمعدات الحديثة، تتدفق لدعم تنظيمات مسلحة لاسقاط انظمة، وتغيير اخرى، ولمحاربة تنظيمات مسلحة باعتبارها الخطر الارهابي الذي يهدد المنطقة والعالم.

اولويات تتغير في غضون اشهر من النقيض الى النقيض، وحكومات “”تتوب” وتغير مواقفها فجأة عندما ينقلب سحرها عليها، ويبدأ الارهاب يضرب في عمق مدنها، ويحصد ارواح مواطنيها، ويدمر اقتصادها واعمدته، ودول عظمى تغير حلفاءها بين ليلة وضحاها، مثلما تغير تكتيكاتها واستراتيجياتها، وفي مثل هذه الاجواء والتقلبات، علينا ان نتوقع امتداد هذه الفوضى ارهابا في الغرب ومدنه وعواصمه.

ابو محمد العدناني، المتحدث باسم “الدولة الاسلامية” التي تواجه هجمات استئصال لها في العراق وسورية وليبيا، بدعم من قوى عالمية واقليمية هذه الايام، طالب ذئابه المنفردة، والجماعية، وخلاياه النائمة والنشطة، بالانتقام  من الغرب بتنفيذ تفجيرات واعمال قتل وارهاب، ولا نستغرب ان تكون هذه الموجة من العمليات الهجومية في اوروبا وامريكا، وفي دول اسلامية (تركيا، العراق) هي تجاوب لنداء الاستغاثة هذا الصادر قبل شهرين، واذا صحت هذه النظرية فإن هذا مبعث للتشاؤم، لان هذا يعني ان هذه “الدولة” لها انصار كثر، واخطر بكثير من كل التوقعات السابقة التي اكدت على لسان “خبراء” ضعفها وتراجع قوتها بعد خسارة عدة مدن في العراق وسورية وليبيا، مثل الرمادي وتدمر والفلوجة وسرت.

تاريخ بوهلال التونسي الشخصي لا يوحي حتى الآن انه سافر الى العراق او سورية، وقاتل في صفوف “الدولة”، او تدرب في قواعدها، حاله حال الكثيرين، ووسائل الاتصال الاجتماعي باتت الساحة الرئيسية للتدريب والتجنيد والتوظيف العقائدي، التي تغني عن ذلك، وكل اجراءات الرقابة التي تتعرض لها هذه الوسائل من قبل اجهزة مخابرات، لم تحقق الا نتائح محدودة فيما يبدو، او حتى الآن على الاقل.

مشهد الادانات والخطابات النارية، والاتهامات، وتحليلات المحليين انفسهم، كلها ستتكرر في الايام والشهور المقبلة، طالما تم الابتعاد عن جوهر الازمة،  وهو الحروب والتدخلات العسكرية الغربية في منطقة الشرق الاوسط والعالم الاسلامي، تحت مسميات واهداف متعددة.

السياسات الغربية هذه التي بدأت بالحروب في العراق وليبيا وسورية وافغانستان، وايا كانت مبرراتها، هي المولد والحاضنات الحقيقة للعنف والارهاب، وهي التي هيأت المناخ لبروز جماعات متشددة مثل “القاعدة” و”الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، وقبلها حركات مثل “فتح” و”حماس و”الجبهة الشعبية”، والاخيرة كرد على الدعم الغربي للاحتلال الاسرائيلي.

حالة الاذلال التي تمارس على العالم الاسلامي من خلال حروب وتدخلات، ادت الى خلق اكثر من خمس دول فاشلة، وادخال التقسيمات الطائفية والعرقية، وحروبها لتمزيق الدول والمجتمعات، هي اساس الداء، والباقي اعراض جانبية.

من السهل على البعض ان يقول بالفم المليان انه “ارهاب اسلامي”، ويجد من يؤيد توصيفه هذا بالتصفيق والاعجاب والدعم، ولكن قلائل هم الذين يجرأون على ذكر اسباب هذا الارهاب وجذوره، ومن يوفر الذرائع لتمدده، بسياساتهم وخطاياهم، بل وتوجهاتهم العنصرية الاستكبارية، التي يدفع مئات الملايين ثمنها من دمهم واستقرار بلادهم.

الحلول “الترقيعية” لن تفيد مطلقا في القضاء على ظاهرة الارهاب هذه، لانها مجرد مسكنات، تبتعد عن مصدر الداء، وربما لا تريد علاجه اساسا حتى تستمر تدخلاتها العسكرية، وسياساتها التقسيمية والتفتيتية للمنطقة.

وحتى نلتقي بعد تفجيرات اخرى، في اماكن اخرى، وادانات اقوى، لكم كل الاحترام والتقدير.


Print pagePDF page