عطوان: “داعش” يضرب في الاردن للمرة الثانية في غضون اربعة اشهر

07-06-2016


عطوان: “داعش” يضرب في الاردن للمرة الثانية في غضون اربعة اشهر

عبد الباري عطوان

لم تعلن السلطات الاردنية حتى كتابة هذه السطور هوية الجهة التي تقف خلف الهجوم الارهابي الذي استهدف مكتبا لدائرة المخابرات العامة في مخيم البقعة وادى الى مقتل خمسة من ضباطه وموظفيه، لكن اصابع الاتهام تشير بكل وضوح الى تنظيم “الدولة الاسلامية”، لان الاردن، واجهزة مخابراته على وجه الخصوص، يخوض حربا امنية وعسكرية شرسة ضد هذا التنظيم، في اطار تحالف دولي ستيني برئاسة الولايات المتحدة الامريكية سواء في سورية او العراق او ليبيا او حتى الصومال، ناهيك عن الاردن نفسه.

هذا هو الهجوم الثاني الذي ينفذه “التنظيم”، على الارجح، في العمق الاردني في اقل من ستة اشهر، وكان الهجوم الاول في مدينة اربد في الشمال في شباط (فبراير) الماضي، حيث فككت الوحدات العسكرية الخاصة خلية ارهابية تحصنت في احد المنازل، مما ادى الى مقتل سبعة من المهاجمين المتحصنين كانوا يعدون لعملية هجوم كبير فيما يبدو، بينما سقط نقيب من الجانب الاردني، وكانت هذه الواقعة، وقتال المتحصنين في المنزل حتى الموت، ورفضهم الاستسلام، والعثور على احزمة ناسفة، واسلحة آلية في حوزتهم، بمثابة جرس انذار.

قدر الاردن ان يكون محاطا بثلاث دول تشهد اضطرابات داخلية وحروبا مستعرة، هدفها الرئيسي محاولة استئصال هذه “الدولة”، ومطلوب منه، اي الاردن، بسبب قدراته الامنية والعسكرية المتميزة، ان يلعب الدور الابرز فيها، وان يحتضن غرف عمليات لقيادة هذه الحروب، وان يستضيف مناورات عسكرية سنوية ضخمة (الاسد المتأهب)، تشارك فيها قوات اكثر من عشرين دولة بينها الولايات الامريكية المتحدة قرب الحدود السورية العراقية.

حدود الاردن مع سورية تزيد عن 375 كليومترا، ومع العراق 181 كليومترا، اما حدوده الاطول مع المملكة العربية السعودية فحوالي 782 كيلومترا، والسيطرة على هذه الحدود عملية صعبة للغاية، لان دولتين، هما العراق وسورية، دول شبه فاشلة، وغير قادرة على حماية حدودها بسبب الحروب الملتهبة على اراضيها، وحواضنها الشعبية تقع في معظمها على الجانب الآخر من الحدود الاردنية غير المحمية، وغير المنضبطة في آن.

هناك ثأر لدى “الدولة الاسلامية” تجاه الاردن، يعود الى لعب المخابرات الاردنية الدور الابرز في اغتيال “الاب الروحي” للتنظيم ومؤسسه، ابو مصعب الزرقاوي، وكذلك مشاركة الاردن في التحالف الدولي الستيني الذي تشكل لاجتثاثه، وهي المشاركة التي بلغت ذروتها في اسقاط طائرة الطيار معاذ الكساسبة اثناء مشاركته وطائرته الـ”اف 16 في قصف مواقع التنظيم في العراق قبل عامين.

في المقابل هناك ثأر لدى الاردن ضد هذا التنظيم ايضا، بالاضافة الى عقيدة اردنية راسخة بمكافحة الارهاب والتطرف اي كان مصدره، او الجهة التي تقوم به، فإعدام تنظيم “الدولة” بطريقة وحشية للطيار الاردني الشاب الكساسبة، وحد الغالبية العظمى من الشعب خلف النظام ومؤسستيه الامنية والعسكرية، ودعم حربه ضد هذا التنظيم، ولكن يبدو واضحا ومن خلال واقعتي البقعة واربد، ان هناك خلايا نائمة قوية للتنظيم يجري تفعيلها هذه الايام.

العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني عبر عن التزام الاردن بمحاربة تنظيم “الدولة” في كل مكان، عندما كشفت وثيقة جرى تسريبها الى بعض الصحف البريطاينة، تضمنت نص لقاء جرى بينه وبين اعضاء بارزين في الكونغرس الامريكي بينهم جون ماكين رئيس اللجنة العسكرية، والمرشح الرئاسي الجمهوري الاسبق، اكد فيها الملك عبد الله على ان بلاده ارسلت وحدات قتالية خاصة الى ليبيا والصومال والعراق لمحاربة “الدولة الاسلامية” في هذه البلدان، وحماية المنشآت النفطية الليبية على وجه الخصوص، والحيلولة دون وقوعها في يد هذا التنظيم الذي يزداد قوة وخطرا في منطقة الاتحاد المغاربي، ويتطلع للسيطرة على آبار النفط الليبية بعد ان خسر معظم مثيلاتها في سورية والعراق.

هجومان للتنظيم في غضون اربعة اشهر يوحيان بأن هناك قرارا باستهداف الاردن وامنه واستقراره، واختيار مخيمين فلسطينيين في اربد والبقعة محاولة لخلق فتنة داخلية تؤدي، اذا ما أعطت اؤكلها، الى زعزعة استقرار البلاد وامنها، وهذا ما يفسر الادانة القوية والسريعة التي صدرت عن السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس من ناحية، وحركة “حماس ممثلة في السيد خالد مشعل، رئيس مكتبها السياسي من ناحية اخرى، فهذه الادانات، مضافا الى ادانات داخلية لافتة، ابرزها من حركة الاخوان المسلمين في الاردن، وعشائر اردنية قوية، توحي بأن هناك وعيا بالاهداف الخطيرة التي ترمي اليها هذه الفتنة، ووجود استعداد لدى كل الاطراف لتطويقها في مهدها.

“الدولة الاسلامية” تتصرف هذه الايام مثل “النمر الجريح”، فهي تواجه حروبا شرسة في الفلوجة والرقة وحلب، تعكس تفاهما امريكا روسيا سوريا ايرانيا، وتلعب القوات الكردية السورية والعراقية دورا رئيسيا فيها الى جانب الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي، والغطاء الجوي الامريكي (العراق) والروسي (سورية).

في ظل هذه الهجمات المنسقة، يمكن تفسير محاولة “الدولة الاسلامية” تصدير هجماتها العنيفة والارهابية الى الخارج، والجوار الاردني اولا، والعواصم الغربية ثانيا، ويمكن الرجوع الى الشريط الذي اصدره ابو محمد العدناني، المتحدث باسم التنظيم، الذي طالب فيه انصار التنظيم وقواعده بشن مثل هذه الهجمات قبل اربعة اسابيع فقط، ويبدو ان هذه الدعوة الدموية تلقي بعض الاستجابة.

الاردن في ظل هذه الحرب يحتاج الى تحرك سريع لتطويق هذه “الفتنة”، وتحصين الجبهة الداخلية في مواجهتها من خلال خطاب مختلف، مثلما يحتاج الى دعم دول الجوار العربي الذي يدفع ثمنا من امنه، وربما استقراره لاحقا، بسبب حمايته لحدودها، وتحوله الى سد في مواجهة عمليات اختراقها، بالاضافة الى استيعابه لاكثر من مليوني لاجيء سوري، كان يمكن ان يشكلوا “تسونامي” يخترق الحدود السعودية ودول الخليج، لو فعل الاردن ما فعله الرئيس اردوغان على سبيل المثال.

الاستيلاء على الرقة والفلوجة والموصل لو تحقق في هذه الهجمات “الصيفية” المنسقة، قد لا يعني نهاية التنظيم، بل ربما يعطي نتائج عكسية، ويؤدي الى زيادة خطورته وتوحشه، لان هذا الاستيلاء لو تحقق، وما زال من المبكر اغراق البعض في التفاؤل، سيعني نزول هذا التنظيم وانصاره الى تحت الارض، واعفاء قيادته في الوقت نفسه، من ادارة مدن كبرى وتوفير الخدمات لاكثر من تسعة ملايين انسان يخضعون لحكمه، وهي “ورطة” تتواضع امامها “ورطة” حركة “حماس وحكمها في قطاع غزة، وان كانت المقارنة ليست في محلها.

هجوم البقعة يبعث على القلق فعلا، لانه اراد ضرب المثلث الاهم الذي ميزّ الاردن عن جواره منذ نشأته قبل ما يقرب من المئة عام، وهو مثلث الامن والاستقرار والتعايش، ولكن الاردن استطاع تجاوز تحديات اكبر من هذا التحدي طوال العقود الماضية.


Print pagePDF page