عطوان: غطرسة نتنياهو وعجرفته ستجد من يضع حدا لها في المستقبل القريب

18-04-2016


عطوان: غطرسة نتنياهو وعجرفته ستجد من يضع حدا لها في المستقبل القريب

عبد الباري عطوان|

لم يفاجئنا بنيامين نتنياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال الاسرائيلي بعقده جلسة لمجلس وزرائه في هضبة الجولان العربية السورية المحتلة، واعلانه بأنها ستظل الى الابد تحت السيادة الاسرائيلية، ولكن ما فاجأنا حقيقة هو ان هذه الغطرسة لم تثر اي اهتمام على الصعيدين الرسمي والاعلامي العربيين، الا في ما ندر، وكأن هذه الهضبة تخص الرئيس السوري بشار الاسد ونظامه، وليس ما يقرب من نصف مليار مواطن عربي من بينهم 25 مليون سوري في الوطن والمنافي.

الوقاحة، او بالاحرى، الاحتقار من قبل نتنياهو للعرب والمسلمين جميعا، والسوريين، بكل مشاربهم خاصة، بلغت درجة وصف الوجود السوري في الهضبة بانه “احتلال” استمر 19 عاما، وان حكومات بلاده حولتها الى جنة خضراء، وواحة للتنمية والاعمار، ولا نعرف ما اذا كان مسؤولون عرب قد اتصلوا به مهنئين ومباركين خطواته وتصريحاته هذه، بعد ان بات “حليفا” لهم، وعضوا اصيلا في تحالفهم الجديد، ولن نستغرب على اي حال اذا ما فعلوا ذلك.

ندرك جيدا ان سورية تواجه خطر التقسيم والتفتيت تحت عناوين شتى ابرزها “الفدرلة”، بهدف الغاء دورها كقوة اقليمية في وجه الاحتلال الاسرائيلي، مثلما ندرك ان بعض المحسوبين على المعارضة السورية باتوا يعتبرون دولة الاحتلال حليفا وصديقا لهم، ويعدها بعضهم، بأنهم سيقدمون لها الجولان هدية في حال تدخلت لصالحهم لاسقاط النظام، ولا يغيب عن اذهاننا مطلقا صورة اليمة تتمثل في قيام نتنياهو بزيارات الى الجرحى السوريين الذين يعالجون في مستشفيات اسرائيلية، ولكن سورية ستظل سورية في نهاية المطاف، وستتعافى مجددا، وتنهض من كبوتها، وتستأنف دورها الحضاري الذي امتد لاكثر من ثمانية آلاف عام، هزمت خلالها العديد من الغزاة، وتأسست على ارضها امبراطوريات حملت احداها رسالة الايمان المحمدية الى مختلف اصقاع الارض.

نتنياهو يقول ان هضبة الجولان ستظل تحت السيادة الاسرائيلية الى الابد، ولكن اي “ابد” هذا الذي يتحدث عنه، وكم سيطول؟ عشر سنوات؟ ثلاثين؟ مئة؟ وهل يعتقد ان الحكام “النواطير” الذين يحمون حدود احتلاله، ويتنازلون عن الارض والعرض، سيعمرون لالف عام مثل سيدنا آدم، عليه السلام مثلا؟

اليس من حقنا ان نسألة عن مصير الامبراطوريات الرومانية والبريطانية والفرنسية والسوفييتية؟ فهل عمرت هذه الى الابد، وهل دولته التي تستمد الحماية واسباب البقاء من غيرها اكثر قوة؟

سورية لم تقع حتى يشحذ نتنياهو وغيره سكاكينهم لتقطيع اوصالها، واخذ نصيبهم منها، سورية ستظل شامخة، ابية، عزيزة، مقاومة، عربية، اسلامية، وستتجاوز هذه المحنة الكبوة مثلما تجاوزت ما هو اخطر منها، فشعبها شعب الجبارين، وارضها تحتضن رفات رجال عظام تعتز بهم، ويكفي ان نذكر صلاح الدين، وسيف الله المسلول خالد بن الوليد.

نتنياهو يعيش ومستوطنوه اسوأ ايامهم، خوفا من المستقبل المرعب الذي ينتظرهم، فأيا كانت نتيجة الازمة السورية، فانهم سيدفعون ثمنا غاليا في نهاية المطاف من امنهم واستقرارهم، وسيكون مشهد اللاجئين السوريين الذين يتدفقون الى الملاذات الآمنة في الغرب ودول الجوار، مشهدا متواضعا بالنسبة لما يمكن ان يحدث للمستوطنين الاسرائيليين فيما هو قادم من ايام من جراء غطرسة حكامهم، واغلاقهم كل ابواب السلام والتعايش.

فهذه الفوضى الدموية التي بذرت بذورها امريكا في سورية والعراق والمنطقة بأسرها، وآلالاف الاطنان من الاسلحة من شتى الانواع والاحجام، وهذه الخبرات القتالية العالية على جانبي خط القتال، كلها ستتوجه نحو العدو الحقيقي للامة الذي يحتل الارض، ويمارس كل انواع الاذلال ضد اهلها الاصلاء.

اكثر من ثلاثة آلاف رأس نووي لم تمنع انهيار الاتحاد السوفييتي، وتطوير النظام العنصري الجنوب افريقي قدرات نووية لم يحل دون سقوطه، وغزو اكثر من 200 الف جندي امريكي للعراق لم يطل امد احتلاله اكثر من ثمانية اعوام، فهل نتنياهو اقوى من امريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا؟

المشكلة لن تكون هضبة الجولان واحتلالها فقط، وانما استعادة كل فلسطين التاريخية لاصحابها، ايا كانت ديانتهم وعقيدتهم، واقامة دولة التعايش والتسامح والمساواة بعيدا عن كل الممارسات العنصرية التي نراها حاليا في ابشع صورها.

الم يقل نتنياهو انه سيبقى في جنوب لبنان الى الابد؟ الم يؤكد ارييل شارون ان غزة جزء من اسرائيل ولن ينسحب منها؟ الم يحتل موشيه ديان سيناء في ايام معدودة عام 1967 واقام فيها مستوطنة “ياميت”؟

من اذلوا قوات الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان وقطاع غزة، ومن اعدوا المقابر لدبابات الميركافا الاسرائيلية الاحدث، ودمروا اسطورتها، ومن اجبروا ستة ملايين اسرائيلي على اللجوء الى الملاجيء هربا من الصواريخ التي انهالت عليهم من الشمال والجنوب، هؤلاء سيستعيدوا هضبة الجولان ايضا، وكل الارض العربية والاسلامية المحتلة سلما او حربا، والايام بيننا يا سيد نتنياهو.


Print pagePDF page