أرشيف يوم: 20 أكتوبر، 2017

موسكو توسّع «رعايتها» في الشرق السوري: ضبط التوتر… وإدارة ملف النفط

بينما تقترب المعارك الأخيرة ضد «داعش» في شرق سوريا من خواتيمها، تتحرك موسكو بنشاط على خط الوساطة بين دمشق والأكراد، لضبط مشهد الميدان هناك، وضمان مستقبل المنطقة النفطية وإسهامها في اقتصاد سوريا ما بعد الحرب

مع انتهاء معارك «التحالف الدولي» داخل مدينة الرقة، تحوّل التركيز إلى ريف محافظة دير الزور، الذي يشهد عمليتين منفصلتين ضد «داعش»، من قبل حلفاء موسكو وواشنطن. ويبدو الريف الشرقي للمحافظة هو الملعب الوحيد لـ«تنافس» هاتين العمليتين على تركة «داعش»، وذلك بعد أفول سيطرة التنظيم في ريف المدينة الشمالي الغربي، والتقاء الجيش السوري مع «قوات سوريا الديموقراطية» في محيط قرية الحسينية الغربي، على الضفة الشمالية للفرات.

وبدا لافتاً أن اللقاءات التي رعتها موسكو لاحتواء التوتر والتصعيد بين دمشق والأكراد قد تكرّست مفاعيلها على الأرض. فالطرفان يشتركان اليوم في جبهة طويلة تمتد من محيط منبج حتى ريف دير الزور الشرقي القريب، من دون إغفال محيط منطقة عفرين. ورغم الملفات الإشكالية التي تجمعهما، فإن تلك الجبهات تشهد هدوءاً واستقراراً غير مسبوقين. وتبلورت أمس إحدى النتائج التي أفضت إليها تلك اللقاءات عبر دخول القوات الروسية إلى المنطقة المحيطة بشركة «كونيكو» للغاز، وحقلي الجفرة والعزبة. فالمنطقة المهمة التي تضم منشآت مهمة لنقل الغاز والنفط، وتعدّ عقدة مركزية في البنية التحتية النفطية في وادي الفرات، شهدت مناوشات بين الجيش السوري و«قسد» خلال تحرك الأخيرة السريع لكسب السيطرة عليها، بعد عبور الجيش لنهر الفرات. وتشير المعلومات الأوّلية حول الاتفاق إلى أنه يتضمن إعادة تشغيل هذه الحقول ونقاط التوزيع والنقل بإشراف فنيّ روسيّ وحماية أمنية توفرها «قسد»، في أسلوب يشابه طريقة إدارة وتشغيل حقول نفط رميلان ومعمل غاز الجْبِسة في الشدادي، في ريف الحسكة. ومع النظر إلى هذه المستجدات اللافتة، التي تمهّد لتعاون أوسع تحت الرعاية الروسية، ينتظر ما ستفضي إليه العمليات العسكرية شرق نهر الخابور، حيث أحد أهم الحقول النفطية في الشرق، وهو حقل العمر.

ويبدو أن الوساطات الروسية مع الجانب الكردي تتوسع بشكل لافت. فقد زار أمس عضو المجلس الاتحادي الروسي ونائب الرئيس الشيشاني، زياد سبسب، مدينة القامشلي، والتقى عدداً من القيادات الكردية في المدينة، وذلك لمعرفة مصير عدد من عوائل مسلحي «داعش»، وإمكانية تسليمهم إلى السلطات الشيشانية، بطلبٍ من الرئيس الشيشاني. كذلك، تناقل عدد من المتابعين أخباراً عن تسليم الجانب الكردي عدداً من أسرى «داعش» من أصول شيشانية إلى وفد من الضباط الروس الموجودين في القامشلي، من دون صدور أي تأكيدات رسمية.

وفي موازاة ذلك، عزّز الجيش نقاطه في محيط مدينة الميادين، وقرية ذيبان المقابلة لها على الضفة الأخرى من الفرات، وتمكن من ضبط كميات كبيرة من الأسلحة التي تركها عناصر «داعش» داخل المدينة. وبالتوازي، ومع مواصلة الجيش عملياته غرب محطة «T2» في ريف دير الزور الجنوبي، حاول التنظيم إشغال الجيش عبر هجوم واسع شنّه على نقاطه في محيط وادي الوعر قرب الحدود العراقية. واستخدم التنظيم عدة سيارات مفخخة لضرب نقاط الجيش المتقدمة هناك، ما تسبّب في انسحاب وحداته من عدد من النقاط هناك، قبل احتواء الهجوم.

وبعيداً عن مجريات الميدان، استقبل الرئيس بشار الأسد رئيس الأركان العامة الإيراني محمد باقري، في العاصمة دمشق. وأكد الجانبان ضرورة تعزيز التعاون بين البلدين، لا سيما في ضوء المكاسب التي حققتها الحرب ضد الإرهاب، وما أفضى إليه ذلك من «ضرب للمشاريع الغربية». الحديث الإيراني ــ الروسي الذي جمع مكافحة الإرهاب وإسقاط مشاريع خارجية في سوريا، حضر أيضاً في حديث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مشاركته في «منتدى فالداي الدولي للحوار»، إذ أكد أن «هناك أسباباً كافية لنتوقع (مع كامل الحذر) أننا سوف ننتهي قريباً من الإرهابيين» في سوريا، مضيفاً في الوقت نفسه أن ذلك «لا يعني أن التهديد الذي تتعرض له سوريا والعالم لم يعد موجوداً».

ولفت بوتين إلى الدور الإيجابي الذي لعبته دول لم تشارك بشكل مباشر في محادثات أستانا، بما فيها الولايات المتحدة والسعودية ومصر وقطر ودول أخرى. ولفت إلى وجود خطورة من أن «يقود إنشاء مناطق تخفيف التصعيد إلى تقسيم سوريا»، قبل أن يشير إلى أن بلاده تأمل أن «يسمح تعاون جميع القوى في البلاد بمنع ذلك». وشرح أنه «يمكن لمن يتحكم في إدارة تلك المناطق أن يبدأ في إقامة اتصالات مع دمشق، وهو أمر بدأ بالفعل في عدة مجالات»، ذاكراً المنطقة الجنوبية كمثال. وقال إن «هناك مبادرة لعقد مؤتمر سوري يضم كافة الجماعات العرقية والدينية، فضلاً عن الحكومة والمعارضة»، مضيفاً أنه «إذا تم ذلك بدعم من الدول الضامنة، فسيكون هو الخطوة التالية على طريق إيجاد حل سياسي ووضع دستور جديد».

وفي مقابل الرؤية الروسية لخطوات التسوية، تنشط الأمم المتحدة لتعزيز مسار محادثات جنيف والحفاظ على دورها المركزي كراعٍ مركزيّ للحل السياسي المرتقب. وضمن هذا السياق، عقد المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا لقاءات مع كبار الديبلوماسيين والعسكريين الروس في موسكو، وعلى رأسهم وزيرا الخارجية والدفاع. وتطرقت المحادثات إلى تطورات مناطق «تخفيف التصعيد» وأجندة جولة محادثات أستانا المقبلة، التي سوف تعقد في 30 تشرين الأول الجاري، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الكازاخية. وضمن السياق نفسه، طلب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس من دي ميستورا تكثيف جهوده بالتشاور مع الأطراف المعنية لعقد جولة جديدة من محادثات جنيف. ورأى في بيان أصدره المتحدث باسمه، ستيفان دوغريك، أن «التطورات الأخيرة تشير إلى ضرورة إعادة تنشيط العملية السياسية»، مضيفاً أن المحادثات ستلتزم «بيان جنيف 1» وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة.

(الأخبار)

الجيش يضع البوكمال هدفاً: «عقدة» التنف إلى المفاوضات

أوقف الجيش السوري تقدمه على الحدود الجنوبية ــ الشرقية مع الأردن منذ أيام. كان مخطط العملية يقضي بالوصول إلى حدود منطقة التنف، أو ما يعرف بـ«منطقة الحظر» الأميركية، غير أن التطورات أحالت الملف إلى التفاوض. ومع هذا، يبقى التزام الجيش بالسيطرة على الحدود حاضراً كواحدة من أولويات دمشق، التي تعزز جهودها اليوم للتقدم نحو البوكمال وإمساك النقاط الحدودية مع العراق

أطلق الجيش السوري عملياته الهادفة إلى السيطرة على الحدود السورية ــ الأردنية، في بداية صيف هذا العام. وتقدمت قواته على طول الحدود، بدءاً من ريف السويداء الشرقي حتى منطقة الزلف وجبل الجارين وأم أذن. وفي موازاة ذلك، كانت مواقف الفصائل المسلحة المدعومة أميركياً متباينة بشأن ضرورة البقاء والمواجهة أو الانسحاب إلى محيط مخيم الركبان أو إلى الداخل الأردني. النتيجة كانت انسحاب «جيش العشائر» و«أسود الشرقية» و«قوات أحمد العبدو»، تحت ضغوط الداعمين، إلى داخل «المنطقة الآمنة» الأميركية في محيط قاعدة التنف، والتي تضم بدورها فصيل «مغاوير الثورة».

ومع بداية الشهر الحالي، وصلت قوات الجيش السوري إلى النقطة الحدودية رقم 204، التي تبعد عن التنف نحو 45 كيلومتراً. هناك، تعرضت تلك القوات لرمايات مدفعية ورشاشة من جانب المجموعات المسلحة، في موازاة تحليق ــ غير اعتيادي ــ لطائرة مسيّرة فوق مناطق تقدمها. على الفور، تراجع المهاجمون إلى النقطة رقم 202، وأعادوا تموضعهم هناك في انتظار أوامر جديدة. التعليمات صدرت بالانسحاب وعدم الاحتكاك مع القوات الأميركية، على اعتبار أن النقطة التي تبعد نحو 50 كيلومتراً عن قاعدة التنف (وفق اعتقاد القيادة الميدانية هناك) خارج «منطقة منع التصادم» الأميركية. ولكن، بعد ساعات قليلة، تلقّى الضباط الميدانيون أوامر صارمة بالانسحاب لمسافة 10 كيلومترات، لتصبح قوات الجيش على مسافة تقارب 60 كيلومتراً عن القاعدة الأميركية.

كان خيار دمشق الضغط على محيط التنف لجرّ واشنطن

إلى التفاوض

يوضح مصدر سوري رفيع في حديثه إلى «الأخبار» أن «الجيش انسحب بعد أن حقق هدفه من العملية». ويضيف أن «القيادة العسكرية كانت تعلم أن الجانب الأميركي لن يسمح للجيش بالتقدم نحو قاعدة التنف، وخرق منطقة الحظر، ولكن ما أرادته هو الضغط على القيادة الأميركية لدفعها إلى الدخول في مفاوضات حول مصير هذه المنطقة». تثق القيادة العسكرية السورية بأن القوات الأميركية في التنف تساعد المسلحين وتوجههم وتدعمهم. ومنذ أيام أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، إيغور كوناشينكوف، إلى أن «600 مسلح خرجوا يومي 2 و3 من الشهر الجاري من المنطقة الخاضعة لقوات (التحالف الدولي)… وتلقوا مساعدات في ظروف غريبة». والواضح أن الجانب الأميركي كان مرتاحاً إلى الهدوء الذي خيّم على المنطقة الحدودية منذ فترة ليست بقصيرة، واستغل هذا الهدوء للعمل على تنظيم المسلحين التابعين له وتدريبهم، وإرسالهم في مهمّات خاصة، إلى جانب مراقبته التطورات العسكرية الجارية في البادية الشرقية.

إذاً، توقّفت العمليات تماماً في تلك المنطقة بعد هذه الحادثة، ولكن ما أرادته القيادة في دمشق حصل فعلاً. فعلى وقع تقدم الجيش نحو التنف، تلقّت القوات الروسية العاملة في قاعدة حميميم اتصالاً من القاعدة الأميركية في التنف. وكان فحوى الاتصال، وفق ما تفيد مصادر مطلعة في حديثها إلى «الأخبار»، هو طلب أميركي بالضغط على دمشق لوقف تقدم القوات، والانسحاب إلى خارج «منطقة الحظر» تجنّباً لأي اشتباك «سيحدث لو أكملوا تقدمهم». ولكن الجانب الروسي لم يستجب بسرعة للمطلب، واشترط ــ بالتنسيق مع القيادة السورية ــ بدء مفاوضات تفضي إلى انسحاب القوات الأميركية من محيط التنف، وهو ما لقي قبولاً أميركياً. هنا تجدر الإشارة إلى أن القيادة في دمشق كانت قد اتخذت قراراً حاسماً بمنع الاحتكاك مع الأميركيين، وقد أبلغت قيادتها العسكرية بذلك، غير أنها أرادت ــ بهذا التقدم الميداني ــ حشرهم وجرّهم إلى التفاوض بدل القتال.

حالياً، تجري مفاوضات بين «حميميم» و«التنف» للوصول إلى حل لهذه المعضلة. وترى مصادر مطلعة لـ«الأخبار» أن المفاوضات تجري «من موقع قوة للجيش الذي يفرض حصاراً على منطقة التنف»، وبالتالي فإن المطلب الأساسي هو انسحاب القوات الأميركية من المنطقة. المعطيات تشير إلى أن الدولة السورية أبلغت حليفتها روسيا ضرورة إقناع الولايات المتحدة بالانسحاب، وإلا فإن قوات الجيش السوري التي تحيط بالمنطقة سوف تتابع عملياتها للإمساك بكامل الحدود، ما سيرفع احتمالات الاحتكاك وربما الاشتباك.

طريق دمشق ــ بغداد آمن

لا يعتبر وجود قاعدة التنف الأميركية عند تقاطع الحدود الأردنية ــ العراقية ــ السورية أمراً عابراً. فالوجود الأميركي هناك هو احتلال. غير أن الواقع يقول إن القاعدة في وضعها الحالي لا تؤثر على ملف وصل عواصم محور المقاومة أبداً. ويشير مصدر عسكري مطّلع إلى أن «القاعدة محاصرة من قبل الجيش، ولا تستطيع القوات داخلها التواصل بأريحية مع المسلحين خارجها، كما لا إمكانية برية لها للسيطرة على الحدود أو منع أحد من عبورها». وبالتأكيد، ثمة معابر مفتوحة أمام المتنقلين بين العراق وسوريا (رسمية أو غير رسمية)، حيث لم تنقطع إمكانية التواصل البري. ويشرح المصدر في حديثه إلى «الأخبار» أن «هنالك معبراً مفتوحاً بين العراق وسوريا، ويقع شمال التنف، وهو يُعرف بمعبر السلطاني. وقد قام الجيش بتأمينه عبر نشر مواقع في محيطه وتسيير دوريات مراقبة وإقامة الحواجز».

وتؤكّد نيران المعارك في الشرق السوري أن العمليات في البادية الشرقية ما زالت مستمرة، حيث يحرز الجيش تقدماً جيداً على طريق حميمة ــ المحطة «T2». ويوضح المصدر أن «العمليات سوف تُستكمل لتنظيف الحدود وتأمينها صعوداً نحو البوكمال»، مضيفاً أن «الإنجازات التي حققناها طوال الحرب سوف تكون بلا قيمة إن سمحنا للأميركي بالسيطرة على الحدود، ومُنعِنا من العبور والتواصل». وتبقى مسألة السيطرة على الحدود قضية جوهرية في الصراع الأخير على مكاسب الحرب. وأي اشتباك قد يحصل لن يبقى موضعياً لوقت طويل، فالإمساك بالحدود يعادل نصف الانتصار الكبير.

مدنيو «الركبان»… نقطة خلافية؟

تثير التطورات الأخيرة في محيط قاعدة التنف وعلى طول الحدود الأردنية، أسئلة حول مستقبل مخيم الركبان والمدنيين المقيمين فيه، ولا سيما في ضوء الحديث عن مفاوضات أميركية ــ روسية لحل شامل هناك.

وبدا لافتاً خلال الأسابيع القليلة الماضية أن الجانب الأردني رفض الخضوع لطلبات أممية مدعومة من أطراف دولية، لتسجيل القاطنين في المخيم كلاجئين في «مفوضية شؤون اللاجئين ــ الأردن» كخطوة أولى لنقلهم إلى الداخل الأردني، مع تعهدات بتمويل إقامتهم وخدماتهم. الرفض الأردني أتى ضمن سياق أوسع لتسوية الوضع على الحدود الشمالية، وإعادة ترتيب العلاقات مع دمشق. ويمكن الإشارة هنا إلى لقاء غير رسمي، جمع رئيس مجلس الشعب السوري حمودة صباغ، ونظيره الأردني عاطف الطراونة، على هامش اجتماع «الاتحاد البرلماني الدولي» في سانت بطرسبورغ الروسية. وأشارت وسائل إعلام أردنية إلى أن الحكومة طلبت من المنظمات الأممية والدولية تنسيق عمليات الإغاثة في الركبان مع دمشق، لكون المخيم يقع ضمن الأراضي السورية، وتقع مسؤوليته على عاتق الحكومة السورية. ويتسق هذا مع مطالبات روسية سابقة للأمم المتحدة بتسيير مساعدات إلى المدنيين القاطنين في المخيم، مع وعود بتسهيلات خلال نقلها من دمشق عبر البادية.

(الأخبار)حسين الأمين