هكذا انهارت خلافة “داعش”

24-08-2017


هكذا انهارت خلافة “داعش”

اجلاً او في القريب منه، ستنتهي فصول قصة دموية اطلق عليها في يوم ما (دولة الخلافة) بدأت بعد ان اطلقها تنظيم “داعش” واعلن عاصمتها الرقة السورية في العام 2014، وامر كهذا ليس في باب التنبوء، بل هو مبني على معطيات اخذة بالتراكم في الواقع الممتد مابين العراق وسوريا، حيث يواجه تنظيم (داعش) ودولته هجمات، تجاوزت ما درج التحالف الدولي على القيام به من هجمات جوية الى حرب برية عاصفة بدأت في الموصل:

وهاهي تتواصل نحو الرقة حيث سقط مقاتلو الأخير بين قتيل ومعتقل، فيما فر من تمكن منهم نحو مكان ما في دولة الخلافة الداعشية او الى خارجها.

ليس حصار مواقع (داعش) والقتال البري إضافة الى القصف الجوي الاسباب الوحيدة التي ادت الى انهيار هذا التنظيم الارهابي فهنالك اسباب اخرى لم يكن كل من تابع هذا الكيان الدخيل ينظر اليها :

فما حصل عليه التنظيم من موارد مادية وبشرية فاق من حيث الامكانات دول ومنظمات فلم يكن احد ممن تابع تلك التنظيمات يتوقع ان يحصد التنظيم خسائر كتلك التي حصدها داعش رغم ما حصل عليه من موارد بشرية ومادية اضافة الى المساحة الكبيرة التي سيطر عليها والتي قاربت في مجملها مساحة دول عظمى فهل يعقل ان تذهب كل تلك الامكانات مهب الريح في فترة زمنية قصيرة كتلك التي انهت التنظيم :

وهل ان ما قام به التحالف الدولي من حملة فاقت تلك التي واجه بها تنظيم القاعدة نفس تلك القوات في افغانستان والعراق ام ان عوامل اللعبة الدولية قد اختلفت كل تلك التسائلات لم نجد لها اجوبة حقيقية رغم ما كتب وقيل في اسباب الانهيار على الاقل لحد الان :

ولهذا ومن اجل معرفة ما حصل كان لا بد من حمل كل تلك التسائلات والذهاب بها الى الضفة الاخرى ضفة لم اجد لها في قاموس الحياة من مصطلح سوى (ضفة الظلام) فساكنيها ومرتاديها ممن يروق لهم ان يطلق عليهم (بأهل الحل والعقد) فهم اعلم بخباياها من اي شخص اخر بل و أجدر منا على بيان الاسباب التي جعلت من هذا التنظيم الذي ارعب العالم لسنوات عدة ينهار في اشهر قليلة :

كل ما طرح من اسباب اعطت الوجه الاخر لعوامل الانهيار من وجهة نظر ساكني تلك الضفة فعلى الرغم من ايمانهم بصحة المنهج والطريق الا انهم يجمعون ان الذي حصل كان نتيجة لعدة عوامل داخلية وخارجية فالكل يعرف العوامل الخارجية الا ان اغلب من درس سلوكيات الجماعات المتطرفة وسبر اغوار فكرهم التكفريري لم يجد في تلك الاسباب ما يمكن به ان يغنيه عن السوال ولعل ما اشار اليه بعض من سكن في الضفاف المظلمة من اسباب نجد فيه ما يبحث عنه اغلبنا نجملها ببعض النقاط وهي :

  1. انعدام القيادة الميدانية والغاء مبدا الشورى في اتخاذ القرار

اذ يجمع اغلب من استطاع ان ينتصر على نفسه من منظري الفكر الجهادي ان ينتقد تنظيم داعش ويذهب الى ان السبب الرئيسي في انهيار التنظيم هو غياب مبدا الشورى في اتخاذ القرارات ولاسباب عدة فمنهم من ارجع ذلك الى الاحتياطات الامنية التي اتخذها التنظيم في مواجهة الحملة العالمية في استهداف قيادات الخط الاول فيه. ومنهم من اعادها الى سطوة الفكر المخابراتي على قادة التنظيم فهم في مجملهم كانوا ضباط في اجهزة المخابرات والجيش المنحل وبالتالي لم يستطيع اغلب قادة التنظيم الميدانيين من اتخاذ القرار السليم في غياب الشورى بسبب سيطرة هؤلاء القادة على جميع مفاصل وتفاصيل ادارة التنظيم مما خلق حالة من الخوف في اتخاذ القرارات الميدانية بين القيادات الادنى .

وهذا ما اثر في اتخاذ القرار الاستراتيجي وجعل منه امراً صعباً ومنوطاً باجتهادات شخصية و ارتجالية دون دراسة انعكاسات تلك القرارات كما عرض كثير من متخذيها الى المحاسبة كان من بينها قرار مطالبة زعيم التنظيم الارهابي ابو بكر البغدادي لقائد جبهة النصرة في حينه ابو محمد الجولاني فك ارتباطه بتنظيم القاعدة والعودة الى مبايعة داعش.

يذهب معظم من ايد وناصر هذا التنظيم ان هذا القرار لم يكن موفقا نتيجة للتحديات الكثيرة التي كان تنظيم داعش يواجهها مما ساهم في شق صف الكثير من قادته فمنهم من ذهب الى تاييد الجولاني والاخر قد وافق رايه مع ما ذهب اليه البغدادي رغم ما اشيع من ان القرار قد صدر بناءا على توصية من مجلس الشور.

  1. عدم وضوح رؤية استراتيجية للعمل الجهادي

فانعدام الهدف وعدم وجود غاية شرعية ادى بالتنظيم الى الدخول في معارك جانبية مع تنظيمات جهادية اخرى فاختيار داعش اقامة ما سماها بالدولة الاسلامية كهدف شرعي واجب الاقامة في ظل ظروف ومعطيات لم تكن مهيئة لذلك ادى الى تراجع الكثير ممن امنو به عن تاييدهم له نتيجة لما ادركوه في ان ما يصبو له قادة التنظيم لم يكن سوى الحصول على السلطة والمال في اقامتهم لدولتهم المزعومة اضافة الى المعارك الفقهية مع العديد من تلك الفصائل فالقاتل هنا والمقتول كما يقولون هو من رصيد الحركه الجهادية .

  1. ضياع مفتاح الصراع لكسب الامة

عمل داعش ومنذ نشاته وحتى يومنا هذا على طرح مفتاح ذو لون واحد كالعقائد والولاء والبراء والاحكام في محاولته لكسب من اعتقد بانهم اساس دولته المزعومة فكان اعتماد التنظيم على استراتيجية مغلقة اعتمد في مجملها على الاية القرانية (من لم يحكم بما انزل الله فاؤلائك هم الكافرون) لتكون هي اساس دعوته لعامة الشباب ونسى ان للمجتمع طوائف ومستويات فكرية لم تكن قادرة عل فهم ما جاء به بعض الدعاة فالمستمع الى المحاضرات الفكرية لكل من (ابوعلاء العفري اوتركي البنعلي او الشنقيطي) يدرك جيدا محدودية ما يطرح فيه من افكار لا تمس واقع المجتمع اضافة الى ان طرح الابحاث الفكرية والعقائدية الصعبة التي لا يفهمها عامة الامة غير مجدية لتحويل التيار الجهادي الذي ساد وبقوة بعد الغزو السوفيتي لافغانستان الى تيار شعبي قادر على اسناد تجربته .

  1. اسلوب الخطاب

يوصف الخطاب الفكري لداعش خاصة بعد سيطرته على مدن عدة في سوريا والعراق وتلك المساحة من الحرية التي مكنته من الافصاح عن خطابهم الحقيقي بعيداً عن التزويقات الاعلامية بانه فوقي في طرح الفكر العقائدي دون المساس بمشاكل الناس اليومية كما يفتقر الى الرحمة والليونة ويمتاز بالقسوة فاصبح تياراً معزول عن الناس تم فيه اقصاء الامة وجعل من خطابهم هو الدستور السائد وبذلك اصبح خطابا نخبويا يخاطب فئة قليلة وغير قادر على اقناع البقية ممن وقعوا تحت سلطته.

التزمت والتنطع والتشديد في الدين اصبحت وسيله من وسائل التعبير عن الالتزام الديني مما انعكس على كل مفاصل الحياة والابتعاد عن العامة في فهم السلوك الشرعي وساهم في انتشار روح الامعية في القيادة فاصبحت استراتيجيته في القيادة ترتكز على قيادة اسود لخراف وحصر السلطة بيد عدد قليل من الاشخاص وهذا ادى الى انعدام مبدا الشورى الحقيقي تحت اسم السريه وعدم معرفة الشباب لذلك ظهر جيل غير قادر على تحمل المسولية الشرعية يؤمر فيطيع حتى وان كانت تلك الاوامر غير مطابقة للاحكام الشرعية .

  1. غياب العلماء عن التنظيم

بعد اتساع المساحة التي سيطر فيها التنظيم على مقدرات هائلة وزيادة عدد العناصر المنتمية بين صفوف التنظيم ليصل عددهم وفق احصائيات عالمية الى اكثر من 45 الف مقاتل قدموا من 100 دولة كان من المهم تطوير المستوى الفكري لعناصره .

وهذا امر يصعب تحقيقه مع انعدام وجود قيادة شرعية قادرة على ايجاد الاساس الشرعي الصحيح لكثير من الاحكام الشرعية مما اثر في تحسين وتعزيز مستوى التربية العبادية والسلوكية لعناصره و عزز من حالة الغلو لدى أفراده بل وصل الامر الى قياداتهم وشيوخهم أيضًا في تكفير المسلمين و تساهل في إطلاق ألفاظ الردة.

والحكم بالتالي بجواز قتال و استباحة دماء وأموال من خالف افكارهم وهذا مخالف لمنهج علماء أهل السنة وطريقة السلف الصالح فحقيقية الخلاف في الغالب لا تقع في أصول المسائل أو ما يمكن تسميته بوصف الفعل، فكثيرًا ما يقع الاتفاق في أصول المسائل، ولا يُختلف على وصف بعض الأفعال بالكفر، كالحكم بشرائع الطواغيت، والرضا بالمذاهب الكفرية الشركية ، وموالاة الكافرين على المسلمين في حربهم للدين.

 

لكن يبقى الخلاف في حكم الفاعل لا حكم الفعل، وأعني بذلك الحكم على المعين بوصف الكفر، بما يقتضيه من توافر الشروط وانتفاء الموانع من جهل وتأول وإكراه وخطأ ونحوها وهذه النقطة هي التي وقع فيها الخلل والشطط والغلو عند بعض أفراد التنظيم ففارقوا طريقة أئمة أهل السنة ومنهجهم في الحكم على المعينين وفق الضوابط والقواعد الشرعية.

ويمكننا أن نعزو هذا الغلو في التكفير والتساهل في الحكم بالردة إلى أسباب أبرزها عدم وجود ارتباط وثيق بين عناصر التنظيم وقياداته من جهة وبين المقدمين من أهل العلم من جهة أخرى.

وقد أدى وجود هذه الفجوة إلى خروج جملة من المواقف والتصرفات التي تفتقد إلى عمق علمي وتأصيل شرعي و حيث إن مسائل الحكم على المعين، وتحقيق مناط الأحكام وإقامة الحجة من الأمور التي لا ينبغي أن يرجع الأمر فيها الى طلاب العلم .

وإنما للراسخين فيه من العلماء العاملين وفق الضوابط والقواعد الشرعية لذلك فقد ذهب اغلب علماء السلفية الجهادية الى الطعن بتصرفات واحكام من قاد التنظيم فالشيخ (عبد الله السعد) احد اشهر علماء السعودية يذهب الى ان داعش قد وقعت في الكثير من المخالفات الشرعية منها عدم قبولها بالتحاكم إلى محكمة شرعية مستقلة لفض النزاعات و وقوعهم في التكفير بغير حق

وحكمهم بالردة على من لا يستحق ذلك وإنما بالشبهة .

هذه التطورات أدت بهم هذا إلى استباحة دماء بعض من حكموا عليهم بذلك ، اضافة الى ان تصرفاتهم التي يشار إليها ببُعدهم عن العلم وتخبطهم وعدم تبصرهم .

فيما ذهب (ابو بصير الطرطوسي) الى ان داعش الباغية الغالية الضالة جماعة دموية تملك مشروع اقتتال داخلي مع مجاهدي ومسلمي أهل الشام ماهرة في افتعال الفتن فيما بين المسلمين مستغلة شعار ” الدولة الإسلامية “؛ ككلمة حق يُراد بها باطل فإن لم تمسك جماعة الدولة المسماة بـ ” داعش “ عن بغيها وظلمها وعدوانها ..

وتكف أذاها وشرها عن الشام وأهل ومجاهدي الشام، وتُصغي إلى خطاب النقل والعقل الذي وجهه إليها بعض العقلاء والفضلاء، فإنه يجب شرعاً على جميع مجاهدي أهل الشام قتالهم ورد عدوانهم .

  1. انخفاض مستوى العلم السياسي عند القيادات بصورة عامة

المقصد الأعم من السياسة الشرعية المحافظة على المصالح القائمة وتكميلها وإزالة المفاسد الموجودة بالكلية أو تقليلها، وتحصيل ما يمكن تحصيله من المصالح المرجوة وتكثيرها ودفع ما يمكن دفعه من المفاسد المتوقعة، وذلك في مسائل الدين والدنيا جميعاً.

اذن فالسياسة الشرعية هي: تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استنبطت بواسطة أسس سليمة أقرتها الشريعة مثل: المصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان، والعرف والاستصحاب،والإباحة الأصلية.

فإن الأمر البارز في السياسة الشرعية في كل زمان ومكان تحقيق المصلحة العامة للأمة في ظل الشريعة الإسلامية.

وهكذا نرى انه بالاضافة الى الضعف الذي امتاز به فقه الواقع لدى قيادات التنظيم نرى افتقار معسكراتهم التي اقاموها الى العلوم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كل ذلك ادى الى شيوع الجهل العام وانخاض مستوى الوعي السياسي لدى القيادات والقواعد،نتيجة العزلة التي فرضها التنظيم وبالتالي عدم فهم هولاء لقرارات القيادة و اقتصار التدريب في تلك المعسكرات والدورات التدريبية على التدريب العسكري دون التربية الشرعية والسياسية وبالتالي انخفاض في مستوى الادارة وادارة الهياكل رغم ما اشيع عن قدرة التنظيم في ادارة الولايات .

لذلك نخلص الى انه وفي مجمل العوامل التي ذكرت ان انهيار التنظيم جاء نتيجة لوجود خلل داخل البنية التكوينية له لم يستطع تجاوزها رغم ما حضي به من امكانات مادية وبشرية لم يستطع اي تنظيم سلفي جهادي ان يحصل عليها طوال السنوات السابقة اضافة الى ان من قاد هذا الكيان لم يتمتعوا بالقدر الكافي من المؤهلات التي تمكنهم من قيادة مجتمع عرف عنه تمتعه بالثقافة الفكرية الراسخة وعدم انصياعه وتقبله لما يمليه عليه مستحدثي العلم اضافة الى كل ما ذكر فان الخلافات المستمرة بين قادة وعناصر التنظيم الاجانب من جهة والقيادات المحلية من جهة اخرى قد ساهم في تعزيز تلك الانقسامات و الخلافات فلكل جهة منها حجة وبرهان على احقيتها في الامتيازات والقيادة .

 

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات


Print pagePDF page