بعد أن حولتها إلى أفغانستان أخرى.. واشنطن تفكر بدخول إدلب ك”الفاتحين”

23-08-2017


بعد أن حولتها إلى أفغانستان أخرى.. واشنطن تفكر بدخول إدلب ك”الفاتحين”

إدلب|

كل الأنظار الدولية تتجه اليوم الى محافظة إدلب السورية .. فهناك ميزان آخر للسياسة الدولية ، ومن هذه المدينة قد تتغير المعادلات والتحالفات أيضاً , خاصة أن المعلومات الواردة عنها تشير الى أنها اليوم آخر معاقل الارهاب في سورية , وأكثف تجمع لعناصر تنظيم القاعدة الإرهابي في العالم ، فهي وبحسب تقارير اعلامية صادرة «تضم عشرة آلاف قيادي وعنصر في تنظيم القاعدة ، وهم الأخطر عالمياً » على حد قول مسؤولين أميركيين في اجتماعات مغلقة مع حلفائهم الدوليين والإقليميين في إشارة إلى « جبهة النصرة » وفصائل مقربة منها موالية لـتنظيم « القاعدة » و « داعش » .

اللافت في الحديث الأميركي عن إدلب هو ان التحالف الدولي عاجز حتى الآن عن القضاء على داعش في الرقة , فلماذا تُـفتح معركة إدلب إعلامياً ودبلوماسياً ، حيث بدأت واشنطن في التركيز على إدلب في الخطاب السياسي والإعلامي وتمهد الأرضية لـمعركة كبرى قادمة ، ما يعني أن المشهد السوري الحالي مرشح لتجاذبات سياسية وميدانية جديدة .

ولعل فشل التحالف في الرقة, وقتله للمدنيين بدلاً من عناصر داعش في غاراته ، دفع واشنطن للشكوى بأن الجيش الروسي هو الذي طلب وقف الغارات الأميركية التي بدأت في ريفي إدلب وحلب , حيث أبلغت موسكو واشنطن حينها  أن إدلب ضمن منطقة الضربات الجويه لطائرات موسكو باعتبار أنها تقع غرب نهر الفرات ، بينما يُـلزم التنسيق الأميركي الروسي في سورية أميركا بأن تبقى ضرباتها الجوية على الدواعش  على شرق النهر ، ما قد يعطي فكرة بأن واشنطن تتحرش اليوم بموسكو ، وقد يكون فتح ملف إدلب دعوة أميركية غير مباشرة للتعاون المباشر والتنسيق الكامل معها في سورية .

وحتى اللحظة لايبدو أن موسكو تثق بواشنطن ، خاصة أن جذور هذا القلق تعود إلى ربيع 2015 ، وقتذاك استطاع « جيش الفتح » الذي يضم فصائل بينها « جبهة النصرة » و « أحرار الشام » و « جند الأقصى » بتنسيق مع « الجيش الإسلامي التركستاني » ( من أويغور الصين ) للسيطرة على كامل محافظة إدلب الواقعة بين حلب واللاذقية . واستفاد من صواريخ « تاو » الأميركية المضادة للدروع التي سلمتها غرفة العمليات العسكرية بقيادة « وكالة الاستخبارات الأميركية » ( سي آي إيه ) جنوب تركيا إلى فصائل ما كان يدعى « الجيش الحر »  قبل أن تندمج عناصره داخل النصرة وغيرها من الفصائل المتطرفة .

وما حدث في إدلب كان معروفاً داخل الأروقة الأميركية ، ويعود إلى زمن إدارة أوباما ، إذ نُـقل عن وزير خارجيته جون كيري قوله في أكثر من مناسبة قبل أن يترك منصبه بداية العام إن « أياماً سوداء قادمة في إدلب » .

لكن الجديد أن إدارة دونالد ترمب ، سوقت لأولوية محاربة « داعش » ، والرئيس ترمب أجرى سلسلة من التغييرات التي سهلت العمليات العسكرية بحيث أعطى صلاحيات للقادة المحليين على الأرض للقيام بعمليات عسكرية من دون انتظار قرار سياسي . كما فوض ترمب وزير الدفاع جيم ماتيس بالعمليات واتخاذ القرارات العسكرية لتحقيق الهدف هزيمة « داعش » .

في بداية العام ، كانت هناك خطتان لهزيمة « داعش » على طاولة ترمب : واحدة ، تضمنت إرسال 30 ألف جندي بتعاون تركي وإقليمي للانقضاض على « داعش » في الرقة . الثانية ، محددة المهمة والزمن بتصميم المبعوث الأميركي بريت ماغورك وتضمنت تطوير « قوات سوريا الديمقراطية » العربية – الكردية التي تشكل « وحدات حماية الشعب » الكردية العمود الرئيسي للوصول إلى 50 ألف مقاتل .

خطة ماغورك ، لاقت آذاناً صاغية لدى ترمب لاعتقاد الإدارة الأميركية أن « وحدات حماية الشعب » نجحت في تحرير عين العرب ( كوباني ) بداية 2015 مقابل « فشل » فصائل « درع الفرات » المدعوم من أردوغان .

وأمام القلق التركي من السلاح الثقيل والدعم الأميركي لـ « وحدات حماية الشعب » الكردي الذراع العسكرية لـ « الاتحاد الديمقراطي » ، وافق وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس على تقديم وثيقة شهرية لنظيره التركي فكري إشيك تتضمن قائمة بالسلاح المسلم مع وعد باستعادته لدى الانتهاء من هزيمة « داعش » . كما أن ماغورك ، غير المحبوب في أنقرة ، زار تركيا أكثر من عشرين مرة خلال سنتين لطمأنة نظرائه الأتراك و « تحذيرهم » من عدم إغلاق الحدود مع سوريا قرب محافظة إدلب التي باتت تتوسع عليها « النصرة » ، كما فعل سابقاً لدى ممارسة ضغوط على أنقرة لـ « خنق » تنظيم داعش شرق سوريا .

اللافت ، أن إدارة ترامب قررت في خضم الحرب على الإرهاب وقتال « داعش » وتمهيد الأرضية لقتال « النصرة » إلغاء البرنامج السري الذي تديره « وكالة الاستخبارات الأميركية » منذ يونيو ( حزيران ) 2013 لدعم « الجيش الحر » جنوب تركيا وشمال الأردن وكان أحد أهدافه قتال قوات الحكومة السورية وإيجاد منصة نفوذ بالملف السوري عبر تدريب وتسليح وتمويل نحو خمسين ألف مقاتل شمال سوريا وجنوبها .

أيضا ، تراقب واشنطن نتائج « التسويات » التي تقوم بها دمشق وموسكو لنقل آلاف من عناصر « النصرة » وعائلاتهم من مناطق مختلفة في سوريا وشرق لبنان إلى محافظة إدلب كان آخرهم « أبو مالك التلي » من جرود عرسال ، ما أعطى الإشارة للجيش اللبناني لبدء حملة « فجر الجرود » بدعم من الجيش الأميركي لطرد « داعش » من شرق لبنان قرب حدود سوريا .

استطاعت دول داعمة لـ « النصرة » أن تقنع قيادتها بتغيير اسمها إلى « فتح الشام » العام الماضي ثم التحالف مع فصائل أخرى لتشكيل « هيئة تحرير الشام » بداية العام بمشاركة فصائل أخرى . وفي ( آذار ) الماضي ، قال المبعوث الأميركي مايكل راتني في بيان : « في ضوء هذه التطورات التي حصلت ، أن المكون الأساسي لهيئة تحرير الشام هي جبهة النصرة ، وهي منظمة مدرجة على لائحة الإرهاب ( في قرارات مجلس الأمن الدولي ) . وهذا التصنيف ساري المفعول بغض النظر عن التسمية التي تعمل تحتها وأي مجموعات أخرى تندمج معها ، وأن هيئة تحرير الشام هي كيان اندماجي وكل من يندمج ضمنه يصبح جزءاً من شبكة القاعدة في سوريا » .

لكن الإشارة الأبلغ جاءت من ماغورك الذي قال في خطاب متلفز في « معهد الشرق الأوسط » في واشنطن قبل أسابيع ، إن إدلب هي « أكبر معقل لتنظيم ( القاعدة ) في العالم بعد 11 سبتمبر 2011 ، حيث ركز تنظيم ( القاعدة ) على إدلب التي تضم نائب التنظيم أيمن الظواهري » ، أي « أبو خيري المصري » الذي قتل بغارة أميركية ضمن سلسلة من الغارات ضربت قياديين في « القاعدة » قبل أن توقفها موسكو .

بحثت « النصرة » مرات عدة بعد سيطرة « جيش الفتح » تشكيل « إمارة » في إدلب على غرار « الخلافة » المزعومة لـ « داعش » في الرقة .

وبعدما ابتلعت « جبهة ثوار سوريا » بقيادة جمال معروف في إدلب و « حركة حزم » في ريف حلب قبل سنوات ، هزمت « النصرة » ضمن تحالف « هيئة تحرير الشام » منافستها « حركة أحرار الشام » وبسطت سيطرتها على معظم محافظة إدلب خصوصاً الشريط الحدودي مع تركيا بما في ذلك معبر باب الهوى ، وتواصل تخريج جيل جديد من مقاتليها . وجاء هذا بمثابة ضربة استباقية أمام الضغوطات التي تتعرض لها « النصرة » بسبب تنفيذ ثلاث من أربع اتفاقيات لـ « خفض التصعيد » شملت جنوب غربي البلاد وغوطة دمشق وريف حمص ، نصت على بدء الفصائل المعارضة قتال أو إبعاد « جبهة النصرة » .

من جهته ، قال راتني إن الهجوم الذي شنته « هيئة تحرير الشام » ضد « حركة أحرار الشام » في إدلب « يعرض مستقبل شمال سوريا لخطر كبير ، وشهد شمال سوريا واحدة من أكبر مآسيه .. وفي حالة هيمنة ( جبهة النصرة ) على إدلب سيكون من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية باتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة » . وأضاف : « يجب أن يعلم الجميع أن الجولاني وعصابته هم المسؤولون عن العواقب الوخيمة التي ستحل بإدلب » .

و« أحرار الشام » التي تعتبر أكبر فصيل مقاتل اختار عناصره في إدلب عدم قتال الحلفاء في « النصرة » الذي أيضا لعب قادتها بالترهيب والترغيب دوراً في استسلام آلاف المقاتلين من « الأحرار » . لكن ذلك ، رسم بوادر تحالفات جديدة تضم كتلتين . ابرزها بقيادة « النصرة » وتضم في جوانبها فصائل متشددة مثل « جند الأقصى » المبايع لـ « داعش » ، إضافة إلى « الجيش التركستاني الإسلامي » الذي يضم نحو 2500 عنصر من الأويغور في الصين .

بعد « الحسم » كثف زعيم « النصرة » أبو محمد الجولاني اتصالاته مع كتل وشخصيات في « المعارضة المعتدلة » لإقناعهم بتشكيل « إدارة مدنية » في إدلب ، إضافة إلى عرضه إلى دبلوماسيين غربيين لإرسال عناصر التنظيم لقتال « داعش » شرق البلاد .

تقف إدلب على مفترق طرق ، فموسكو مع واشنطن وعمان وقعوا اتفاقاً تنفيذياً يتعلق بجنوب غربي سوريا ( درعا والقنيطرة والسويداء ) واتفاقين آخرين يتعلقان بغوطة دمشق وريف حمص . لكن المحادثات لا تزال جارية لتوقيع اتفاق تنفيذي في إدلب . وأجرى كبار المسؤولين العسكريين في روسيا وإيران وتركيا محادثات في الأيام الماضية ركزت على إدلب . كما أن الاجتماع المقبل للدول الثلاث في آستانة ، الذي تأجل قليلاً ، سيتناول إدلب واحتمال رسم خطوط القتال بين « النصرة » وباقي الفصائل واحتمال نشر مراقبين وضمانات تركية لنشر الشرطة العسكرية الروسية ، خصوصاً في ضوء التقدم في الاجتماع الفني الأخير لـ« ضامني » مسار آستانة .

موسكو ، التي تملك قاعدتين على بعد حجر من إدلب في اللاذقية وطرطوس ، تقف بين خيارين : الأول ، تشكيل جبهة مشتركة بين الجيشين الأميركي والروسي لقتال « النصرة » في إدلب باعتبار أن التحالف الدولي ضد « داعش » لا يضم روسيا والتحالف الروسي – العراقي – الإيراني – السوري لا يضم أميركا . هناك قناة اتصال بين الجيشين الأميركي والروسي في عمان وأخرى رفيعة بين واشنطن وموسكو .

الثاني ، مباركة عرض تركي بقبول إيراني لتشكيل تحالف جديد باسم « سيف إدلب » لدعم فصائل في ما يسمى « الجيش الحر » لقتال « النصرة » في إدلب تحت غطاء مدفعي تركي وجوي روسي .

أنقرة ، الغاضبة من واشنطن لميلها لدعم أكراد سوريا ، بات موضوع إدلب يحظى بأولوية لتخوفها من ارتداداتها الأمنية والبشرية على جنوب تركيا . والعرض التركي إلى روسيا وإيران في إدلب ، الذي يتضمن في أحد أبعاده تعاونا ثلاثياً لصد « وحدت حماية الشعب » الكردية المتحالف مع الجيش الأميركي شرق نهر الفرات وتحظى بحماية قواعده العسكرية ، انطلق من تغيير الأولويات التركية التي باتت ثلاثاً : محاربة الإرهاب ، الحد من مشكلة اللاجئين ، منع قيام « كيان كردي » على اعتبار أن أكراد سوريا امتداد لأكراد تركيا .

لكن دمشق ، تبحث عن مقاربة عسكرية تتضمن « قتل القياديين الأجانب والعرب وإيجاد مخرج للسوريين بينهم » . ويبدو أنه في نهاية المطاف لامجال أمام دمشق سوى تطبيق خطتها التي طبقت في كل المحافظات ، وتكثيف عملياتها مع الروس والايرانيين ، وإن أرادت واشنطن الدخول في هذا التحالف فان خطاب الرئيس السوري كان واضحاً حين أدار ظهره للغرب وقال سنتوجه شرقاً ، حديث الأسد كان حاسماً عندما اشار الى أنه لن يتعاون مع الغرب الا اذا قطعوا  علاقتهم وامدادهم بالارهاب ، كما أنه لايثق بأردوغان ، وعليه فان إدلب ستكون اختباراً حقيقياً لنيات واشنطن وأنقرة في حرق ورقة الارهاب التي طالما لعبوا بها ، ولكن ليس قناعة بل رغبة بالدخول الى الملف السوري فهل تفتح دمشق الأبواب .


Print pagePDF page